الميرزا القمي
8
رسائل الميرزا القمي
والمشخّصة الثانية : هي جدّه وجهده في مجال طلب العلم ، وكثرة التفكّر والتعمّق في المسائل الأصوليّة والفقهيّة وغيرهما . المشخّصة الثالثة : هي اعتقاده الراسخ ، وشدّة تمسّكه بمذهبه الذي ينبئ عنه إعراضه عن الدنيا رغم إقبالها عليه في آخر المطاف ، وزهده فيها رغم حاجته ونزر ما في يده . ولا بأس ببسط الكلام في تلك المشخّصات الثلاث : أما الابتلاء والنوائب التي أصابته والآلام التي أحاطت به ، فمدارها الفقر المدقع ، والتغرّب في البلاد ، واستهانة المناوئين ، والحاسدين وتضييع قدره ، بل النقيص منه من قبل الجهّال ، كلّ ذلك بالإضافة إلى فرط تعبه عند تقنين القوانين ، وتحصيل الغنائم الفقهيّة . ممّا يبدو أن هذه الآلام كانت موجودة منذ صباه ومنذ نعومة أظفاره لأنه قال في مقدّمة كتاب غنائم الأيام : « فانّي منذ تعارفت مع الزمان فقد أخذني على طرف الخصام لدودا . . » . بينما ظلّت تلك الآلام تساوره على مرّ الأيام وعلى الدوام حتى قال في تلك المقدمة : « وكلما صافيته - الزمان - بوجه الإقبال أدبر عنّي بتخييب الآمال ، ومهما وافيته بعرض المطالب في معرض النوال فجبّهني بالردّ وناقضني ببلبال البال ، ومتى عانقني بوجه الالتفات فعضّني بضرس النائبات وحينما ضيّفني ببسط موائد العطيات أطعمني بتشعّبات الأمراض وسقاني بمشارب الحسرات » . ممّا يدلّ على أنّ عمدة الأمة عن خيبة آماله ، وعدم تحقّق شيء من مطالبه ، وكثرة اضطراب باله ، وشدّة نوائبه التي قال عنها بعد ذلك : « فربّ فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر ، وربّ نزيلة ينهش قذى سمومها أناسيّ النواظر . بينما قال في آخر رسالته التي كتبها في منجّزات المريض : « وكتبه مؤلفه في حال تفرّق الخاطر ، وتوزّع الحال ، وتراكم النوائب والأصول . » هذا بالإضافة إلى أنواع الأمراض والأسقام التي استولت عليه ، فعبر عنها بتشعّبات تشعّبات الأمراض في الكلام السابق ، والفقر الذي قال عنه « وكم من ضنك في العيش وضيق في المعيشة » يكتب أكثر ذلك في الأربعين من عمره وهو آيس من الحياة حيث يقول : « قد رأيت قد ولى الشباب ، وألمّ المشيب ، وولى وجه المحبوب ، وتدلّت شدائد قهر الرقيب ، وطار غراب الأمل عن الهامة ، وعشّش البوم ، وذهب يمن الأيّام بإدراج رياح الخيبة ، وبقي منها الشؤم ، وخفت عدم مساعدة العمر والأسباب لختم ذلك الكتاب يعني كتاب الغنائم . يقول بعده : « هذا وإنّي كالآيس من إتمام ما أنا فيه