الميرزا القمي

9

رسائل الميرزا القمي

إلّا من روح الله . » على إنّه لم يكن غافلا عمّا يجري على الساحة السياسية آن ذلك ليضيف إلى همومه الانزجار من تسلّط الظلمة وأهل الضلال على رقاب المسلمين وسوء فعلهم ، وهو يقول : « واغتنم نفسا بعد نفس وإن كنت في غاية اضطراب ووجس ، سيّما في هذا الزمان الذي غلبت عليه أحزاب الشيطان ، ورفعت فيه أعلام الجهل والطغيان ، وولّت عنه آيات العلم والعرفان ، واستمرّت به تلك الشيمة والسجيّة حتى كاد أن تكون أيّام الجاهليّة » . مختصر حياة الميرزا القمّي تنبئ عن آلامه . ولد ميرزا القمّي عام 1152 ه‍ في منطقة « جابلاق » التي هي من أعمال دار السرور التابعة لمدينة بروجرد ، وهو ينحدر من أصل گيلانى من قرية شفت القريبة من مدينة رشت ، فاشتغل منذ صباه بدراسة علوم العربيّة على والده الذي هو أحد العلماء في « جابلاق » . ثم انتقل إلى مدينة خوانسار ، ودرس فيها عند السيد حسين الخوانساري صاحب « المشارق » وتزوّج بأخته ، ثمّ انتقل إلى النجف حيث الأستاذ الأكمل الوحيد البهبهاني غير أنّه كان قد بلغ الغاية من الفقر فيها بحيث كان أستاذه الوحيد يصلّي بالأجرة ويدفع ما يأخذه من هذا الطريق للميرزا القمّي ليدير بها معاشه ويديم تفقّهه . وبعد أن أخذ قسطا وافيا من العلم في النجف عاد إلى إيران إلى موطن أبيه « درّباغ » وهي قرية من قرى « جابلاق » فكانت أسباب المعاش فيها محدودة جدّا ، فاضطرّ معه إلى الانتقال إلى قرية « قلعة بابو » من قرى « جابلاق » وكادت أن تتّسع عليه المعيشة هناك ، فتصدّى له شيخ قرويّ ثقل عليه وجود الميرزا ودبّر له بعد أن أعلن في القرية أن الميرزا لا يعرف الكتابة ، ودعاه للامتحان أمام الملأ ، فقال له : اكتب « حيّة » فكتب الميرزا ما أمر به الشيخ لكنّ الشيخ رسّم صورة الحيّة وعرض على الناس ما كتباه وسألهم أيّهما الحية ؟ فأشاروا بجهلهم إلى ما رسّمه الشيخ القروي وخطّئوا ما كتبه الميرزا فتأثّر الميرزا وترك على أثره تلك القرية . فانتقل إلى أصفهان ، فلمّا استقرّ بها ألحق به بعض علماء الدنيا أذى ؛ حسدا لما رأى فيه من آثار الرشد ، فسافر على أثره إلى مدينة شيراز وكان أيّام سلطنة كريم خان زند فبقي فيها سنتين أو ثلاث ، ثم رجع إلى قرية « بابو » وكانت العيشة فيها ضيّقة ، واستخفّ به أهل القرية أشدّ من السابق ، فبكى على أثر ذلك ورفع يده نحو السماء وهو يقول : اللّهم لا تقدّر ذلي أكثر من ذلك .