السيد علي الطباطبائي
566
رياض المسائل ( ط . ق )
في ظاهر عبارة بعض الأجلة قال خلافا لأبي حنيفة والحجة عليه بعده أصالة البراءة مع ظهور النص والفتوى باختصاص الدية بالعاقلة ولا تعقل المرأة ولا الصبي ولا المجنون وإن ورثوا من الدية بلا خلاف على الظاهر المحكي عن المبسوط قيل لخروجهم عن مفهوم العصبة عرفا وأصل البراءة وفي أصل البراءة ما عرفته وأما دعوى الخروج فهي حسن بالإضافة إلى المرأة أما الصبي والمجنون فدعوى خروجهما عن مفهومها لعلها لا يخلو عن إشكال والأصل على تقدير صحته يخرج عنه بالإطلاقات إلا أن يذب عنها بعدم معلومية شمولها لهما لعدم تبادرهما منها جدا ولو كانا داخلين تحت مفهوم العصبة حقيقة ويتحمل العاقل دية الموضحة وما فوق الموضحة كالهاشمة والمنقلة ونحوهما اتفاقا منا على الظاهر المصرح به في كلام جماعة حد الاستفاضة وفيه الحجة مضافا إلى الإطلاقات وخصوص الموثقة الآتية وفي تحملها ما دون الموضحة من الحارصة والدامية ونحوهما قولان أحدهما نعم ذهب إليه الشيخ في المبسوط والخلاف والحلي في السرائر مدعيا عليه الإجماع للإطلاقات والثاني وهو المروي في الموثق أنها لا تحمله وهو خيرة الشيخ في النهاية والحلبي والقاضي في أحد قوليه والغنية والإصباح والوسيلة كما حكي وإليه ذهب الفاضل في المختلف وولده في الإيضاح والفاضل المقداد والصيمري وغيرهم من المتأخرين والظاهر أنه المشهور كما صرح به في التحرير والروضة وهو الأقوى لاعتبار سند الرواية بالموثقية مضافا إلى الاعتضاد أو الانجبار بالشهرة الظاهرة والمحكية وبالاعتبار للزوم الضرر الكثير بالتحمل بناء على غلبة وقوع التنازع وحصول الجنايات الكثيرة من الناس فلو وجب كل جرح قل أو كثر على العاقلة لزم حصول المشقة لهم وتساهل الناس في الجنايات لانتفاء الضمان عنهم فتأمل وبذلك يذب عن الإجماع المنقول مع وهنه بمصير الأكثر على خلافه ويتعين الخروج به عن الإطلاقات مع إمكان التأمل في شمولها لمحل البحث لاحتمال اختصاصها بحكم التبادر بدية النفس ولا ينافيه الاتفاق على التحمل في نحو الموضحة لاحتمال كون ذلك بمجرد الاتفاق لا للإطلاق وحينئذ يجب الرجوع إلى حكم القاعدة من كون الأصل في الجناية تعلق ديتها برقبة الجاني لا غيرها إذ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى خرجنا عنها فيما عدا موضع الخلاف بالوفاق ويبقى ما عداه داخلا تحتها وربما يستفاد من قول الماتن هنا والفاضل في القواعد غير أن في الرواية ضعف أميلهما إلى القول الأول أو توقفهما فيه وهو ضعيف كدعوى ضعف الرواية لأنها من الموثق لا الضعيف بمعنى المصطلح لكن الأمر في هذا سهل سيما على طريقة الماتن وإذا لم يكن للجاني عاقلة من قومه ضمن المعتق جنايته إن كان وإلا فعصباته ثم معتق المعتق ثم عصباته ثم معتق أبي المعتق ثم عصابته كترتيب الميراث ومع عدمهم أجمع فعلى ضامن جريرته إن كان وحيث لا ضامن جريرة له أيضا ضمن الإمام جنايته بلا خلاف في شيء من ذلك أجده في الجملة ولكن استفادتهما كما مر من النصوص مشكلة نعم النصوص مستفيضة بضمان ضامن الجريرة العقل وكذا الإمام مع فقده وفي الصحيح من لجأ إلى قوم فأقروا بولايته كان لهم ميراثه وعليهم معقلته وبمعناه الصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة المروية في باب ميراث ضامن الجريرة وفيها إذا ولي الرجل الرجل فله ميراثه وعليهم معقلته وفيها إشعار بتلازم الإرث وضمان العقل وقد تقدم في المواريث ثبوت إرث المعتق وضامن الجريرة والإمام مترتبين فيعقلون كذلك وفي الصحيح من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الأنفال وهو كالنص في ضمان المعتق الجريرة والعقل وفي الصحيح السائبة التي لا ولاء لأحد عليها إلا اللَّه تعالى فما كان ولاؤه لله سبحانه فهو لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وما كان لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فإن ولاءه للإمام عليه السلام وجنايته على الإمام وميراثه له إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن ميراث من لا وارث له للإمام عليه السلام ومعقلته عليه هذا وفي المرسل الرجل إذا قتل رجلا خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية أن الدية على ورثته فإن لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال وهو صريح في ضمان الأشخاص الثلاثة الدية حيث يستحقون الإرث وهو وإن شمل العاقلة الأنثى من القرابة مثلا لكنه مقيد بغيرها من الذكران لما مضى فيبقى الباقي تحتها مندرجا والعام المخصص حجة في الباقي كما حقق في محله مستقصى وفيه إشعار بلزوم الدية في مال الجاني أولا ومع عدمه فعلى عاقلته وبه صرح جماعة لكن بالنسبة إلى ضمان الإمام خاصة فقالوا إن ضمانه مؤخر عن ضمان الجاني ومنهم ابن زهرة مدعيا عليه إجماع الإمامية وهو الحجة مضافا إلى المرسلة والقاعدة المتقدم إليها قريبا الإشارة وبه صرح جملة من النصوص في جناية الأعمى أنها خطأ ويلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كل سنة نجما فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله تؤخذ بها في ثلاث سنين كما في الصحيح وفي الموثق أن عمد الأعمى مثل الخطأ فيه الدية في ماله فإن لم يكن له مال فإن دية ذلك على الإمام خلافا لآخرين فقالوا ضمان الإمام مقدم على ضمان الجاني ومنهم الحلي مدعيا عليه أيضا الإجماع وهو الحجة مضافا إلى إطلاق الأدلة بكون الإمام ضامن جريرة مع فقد العاقلة ويمكن تقييده بما مر إلا أن يجاب عنه بضعف المرسل منه سندا ومتنا لاشتماله زيادة على ما تقدم على تقديم ضمانه على ضمان مطلق العاقلة حتى غير الإمام وظاهر الأصحاب كالروايتين الواردتين في الأعمى اللتين هما أحد تلك الأدلة خلافه والإجماع المنقول معارض بالمثل وروايتا الأعمى بعد الإغماض عن احتياج إطلاقها إلى تقييد ما تضمنتا كون جنايته خطأ مطلقا ولم يرتضه المتأخرون كما مضى والأصل يخرج عنه بالإطلاقات وظاهر العبارة كغيرها وصريح جماعة كون الدية على الإمام في ماله خلافا لآخرين ففي بيت مال المسلمين ومنشأ الاختلاف اختلاف النصوص ففي جملة منها على الإمام وفي أخرى على بيت المال والمسألة كسابقتها محل إشكال وللتوقف فيهما مجال وجناية الذمي في ماله مطلقا وإن كانت خطأ فإن لم يكن له مال فعاقلته الإمام عليه السلام قالوا لأنه يؤدي إليه جزيته كما يؤدي المملوك إلى مولاه ضريبته ولا يعقله قومه فكان بمنزلته وإن خالفه في كون مولى العبد لا يعقل جنايته لأنه ليس مملوكا محضا والأولى الاستدلال عليه بعد الإجماع الظاهر المستظهر من بعض العبائر بالصحيح ليس بين أهل الذمة معاقلة فما يكون من قتل أو جراحة إنما تؤخذ ذلك من أموالهم فإن لم يكن له مال رجعت إلى إمام المسلمين لأنهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدي العبد الضريبة