السيد علي الطباطبائي

497

رياض المسائل ( ط . ق )

ولو تاب بعد ذلك لم يسقط بلا خلاف كما في نظائره ويدل على الحكمين معا هنا الآية صريحا في الأول ومفهوما في الثاني ونحوها بعض النصوص وأيضا أن توبته قبل القدرة عليه بعيدة عن التهمة بخلافها بعد ذلك فإنه متهم بقصد الدفع مضافا فيه إلى استصحاب لزوم الحد ولم يسقط بالتوبة ما يتعلق به من حقوق الناس كالقتل والجرح والمال في شيء من الحالين بلا خلاف ولا إشكال إذ لا مدخل للتوبة فيه بل يتوقف على إسقاط المستحق ويصلب المحارب حيا إلى أن يموت على القول بالتخيير واختاره الإمام لأنه أحد أفراد الحد وقسيم للقتل وهو يقتضي كونه حيا ومقتولا على القول الآخر المفصل لأن صلبه على هذا القول على تقدير قتله وأخذه المال وقد تقدم أنه يقتل أولا ثم يصلب ولا يجوز أن يترك المصلوب على خشبة أكثر من ثلاثة أيام من حين صلبه ولو ملفقة والأصل فيه بعد الإجماع الظاهر المصرح به في الخلاف النصوص منها القويان أحدهما النبوي قولا لا تدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن ونحوه الثاني المرتضوي فعلا صلب رجلا بالحيرة ثلاثة أيام ثم أنزله يوم الرابع وصلى عليه ودفنه وفي الصادقي المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام ويقتل ويدفن ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام وللعامة قول بتركه حتى يسيل صديدا قيل والظاهر أن الليالي غير معتبرة نعم يدخل الليلتان المتوسطتان تبعا للأيام لتوقفها عليهما فلو صلب أول النهار وجب إنزاله عشية الثالث ويحتمل اعتباره ثلاثة أيام بلياليها بناء على دخولها في مفهومها والأحوط الأول بناء على عدم تحتم الصلب ثلاثة وحرمته بعدها وينزل بعد ذلك ويغسل ويحنط على القول بصلبه حيا وكذا على غيره إن لم يؤمر بالاغتسال قبل قتله وإن أمر به قبله أي قبل الصلب سقط وجوب غسله كما في نظائره والفرق بين القولين على ما يفهم من ظاهر الماتن هنا وفي الشرائع والفاضل في القواعد وجوب تقديم الغسل على الثاني وعدمه على الأول ووجهه غير واضح ولذا سوى بين القولين جماعة وكيف كان يجب أن يكفن ويصلى عليه ويدفن إذا كان مسلما بلا خلاف منا كما في النصوص المتقدمة قيل وللعامة قول بأنه لا يغسل ولا يصلى عليه وحيث ينفى المحارب اختيارا أو حتما ينفى بما هو الظاهر من معناه المصرح به في كلام الأصحاب مدعيا بعضهم الإجماع عليه وأكثر أخبار الباب وهو أن يخرج عن بلده إلى غيره ويكتب إلى كل بلد يأوي إليه بالمنع عن مؤاكلته ومشاربته ومجالسته ومعاملته حتى يتوب فإن لم يتب استمر النفي إلى أن يموت ونفيه عن الأرض كناية عن ذلك وفي رواية أن معناه إيداعه الحبس كما عليه بعض العامة وادعى عليه الإجماع في الغنية لكن على التخيير بينه وبين المعنى المتقدم وفي أخرى أن معناه رميه في البحر ليكون عدلا للقتل والصلب والقطع قيل وينبغي حملها على ما إذا كان المحارب كافرا أو مرتدا عن الدين فيكون الإمام مخيرا بين قتله بأي نحو من الأنحاء الأربعة شاء وأما إذا كان جانيا مسلما غير مرتد عن الدين فإنما يعاقبه الإمام على نحو جنايته ويكون معنى النفي ما سبق وفيه نظر [ حكم اللص ] واللص بالكسر واحد اللصوص وهو السارق وبالضم لغة محارب كما في الخبرين اللص محارب لله تعالى ولرسوله ص فاقتله فما دخل عليك فعلي وفي ظاهر السرائر إجماعنا عليه لكن قال حكمه حكم المحارب وظاهره الفرق بينهما وعدم كونه محاربا حقيقة وعليه نبه شيخنا في المسالك والروضة فقال فيها بعد قول المصنف واللص محارب بمعنى أنه بحكم المحارب في أنه يجوز دفعه ولو بالقتال ولو لم يندفع إلا بالقتل كان دمه هدرا أما لو تمكن الحاكم منه لم يحده حد المحارب مطلقا وإنما أطلق عليه اسم المحارب تبعا لإطلاق النصوص نعم لو تظاهر بذلك فهو محارب مطلقا وبذلك قيده المصنف في الدروس وهو حسن انتهى وهو كذلك لما ذكره في المسالك من قصور النصوص سندا عن إفادة الحكم مطلقا مع اختصاص النصوص الواردة بحكم المحارب بمن جرد سلاحا أو حمله فيرجع في غيره إلى القواعد المقررة أقول ويعضده عدم عمل الأصحاب بما فيها من جواز القتل وأن دمه هدر مطلقا بل قيدوه بما إذا روعي فيه مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتدرج في الدفع من الأدنى إلى الأعلى وكيف كان يجوز للإنسان دفعه عن نفسه مطلقا وكذا عن ماله إذا تغلب عليه وغلب على نفسه السلامة بل قالوا يجب في الأول ولو ظن على نفسه التلف لإطلاق النصوص ووجوب حفظ النفس وغايته العطب وهو غاية عمل المفسد فيكون الدفاع أرجح نعم لو أمكن السلامة بالهرب كان أحد أسباب الحفظ فيجب عينا إن توقف عليه أو تخييرا إن أمكن به وبغيره وكذا في الثاني مع الاضطرار به والتضرر بفقده ضررا يجب دفعه عقلا قيل أو كان المال لغيره أمانة في يده وربما وجب الدفع عنه مطلقا من باب النهي عن المنكر وهو حسن مع عدم التغرير بالنفس وإلا فلا يجب بل لا يجوز والفرق بينه وبين النفس حيث يجب الدفع عنه مطلقا دون المال جواز المسامحة فيه بما لا يجوز التسامح به في النفس وللصحيح وغيره لو كنت أنا لتركت المال ولم أقاتل قالوا ويجب أن يقتصر في جميع ذلك على الأسهل فإن لم يندفع به ارتقى إلى الصعب فإن لم يندفع فإلى الأصعب وهو حسن اقتصارا على ما تندفع به الضرورة ومع قصور النصوص المرخصة للمقاتلة على الإطلاق كما عرفته عن الصحيحة فلا يخرج بها عن مقتضى القواعد المقررة فلو كفاه التنبيه على تيقظه بتنحنح ونحوه اقتصر عليه إن خاف من الصياح أن يؤخذ فيقتل أو يجرح ولو كفاه الصياح والاستغاثة في موضع يلحقه المنجد اقتصر عليه فإن لم يندفع به خاصمه باليد أو بالعصا فإن لم يفد فبالسلاح ولا ضمان على الدافع لو جنى على اللص في هذه المراتب ويذهب دم المدفوع ولو بالقتل هدرا إجماعا ظاهرا ومحكيا والنصوص به مستفيضة جدا منها زيادة على ما مضى الحسن أيما رجل عدا على رجل ليضربه فدفعه عن نفسه فجرحه أو قتله فلا شيء عليه والمرسل كالموثق بل كالصحيح على ما قيل إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما أصابك فدمه في عنقي والخبر اللص يدخل في بيتي يريد نفسي ومالي قال اقتل فأشهد اللَّه ومن سمع أن دمه في عنقي وفي آخر إذا دخل عليك اللص يريد أهلك ومالك فإن استطعت أن تبدره وتضربه فأبدره واضربه وفي غيره من دخل على مؤمن داره محاربا له قدمه مباح في تلك الحال للمؤمن وهو في عنقي هذا مضافا إلى الأصل مع اختصاص ما دل على الضمان بالجناية بحكم التبادر بها في غير مفروض المسألة مع وقوعها بأمر الشارع