السيد علي الطباطبائي

485

رياض المسائل ( ط . ق )

فبلغ ذلك أمير المؤمنين ع فمشى إلى عمر فقال ليس قدامة من أهل هذه الآية ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم اللَّه سبحانه إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون حراما فاردد قدامة فاستتبه مما قال فإن تاب فأقم عليه الحد وإن لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملة الخبر وقيل والقائل الحلي والتقي كما حكي أن حكمه حكم المرتد لا يستتاب إذا ولد على الفطرة بل يقتل من غير استتابة وهو قوي متين وعليه عامة المتأخرين لإنكاره ما علم تحريمه ضرورة من الدين ومعه لا شبهة إلا إذا ادعاها وأمكنت في حقه لقرب عهده بالإسلام ونحوه فيدفع عنه الشبهة ولا يقتل بلا شبهة كما هو الحال في إنكار سائر الضروريات وهذه الصورة خارجة عن مفروض المسألة بل هو ما إذا لم يكن هناك شبهة محتملة ولذا أن شيخنا في المسالك بعد أن اختار المختار قال هذا إذا لم يمكن الشبهة في حقه لقرب عهده بالإسلام ونحوه وإلا اتجه قول الشيخين قال وعليه يحمل استتابة قدامة بن مطعون وغيره ممن استحلها في صدر الإسلام بالتأويل انتهى ومنه يظهر الجواب عن الدليلين اللذين مضيا ولكن يتوجه على شيخنا أنه كيف استوجه على تقدير الشبهة المحتملة قول الشيخين ومن تبعهما بالاستتابة والحد أولا ثم القتل مع عدمها مع أنهما ليسا وظيفة المنكر لضروري الدين بالشبهة المحتملة بل وظيفته رفع الشبهة عنه بحيث يصير ما أنكره ضروريا له فإن استحل أيضا كان حينئذ مرتدا يستتاب إن كان مليا ويقتل إن كان فطريا وبالجملة فما ذكره الشيخان لا ينطبق على صورة الشبهة أيضا ومن هنا يظهر جواب آخر عن الاستدلال بهما لهما وأن جواب شيخنا عن الرواية بحملها على صورة الشبهة لا يوافق الصواب على ما عرفته والحق في الجواب عنها بعد الإغماض عن سندها أنها قضية في واقعة فلا تكون عامة لصورتي كون المستحل فطريا أو مليا لاحتمال كون قدامة ارتداد وعن ملة لا عن فطرة فيتوجه حينئذ القتل بعد الاستتابة وبهذا أجاب الفاضل المقداد في شرح الكتاب عن الرواية هذا حكم الخمر وأما غيرها من المسكرات والأشربة كالفقاع والنبيذ فقد أشار إليه بقوله ولا يقتل مستحل شرب غير الخمر مطلقا بل يحد بشربه خاصة مستحلا كان له أو محرما قولا واحدا لوقوع الخلاف فيها بين المسلمين وتحليل بعضهم إياها فيكون ذلك كافيا في انتفاء الكفر باستحلالها ولا فرق بين كون الشارب لها ممن يعتقد إباحتها كالحنفي فيحد عليها ولا يكفر لأن الكفر مختص بما وقع عليه الإجماع من المسلمين ويثبت حكمه ضرورة من الدين وهو منتف في غير الخمر بيقين خلافا للحلي فكفر مستحلها وأوجب قتله وهو نادر كما صرح به في الروضة [ الثالثة من باع الخمر مستحلا ] الثالثة من باع الخمر مستحلا بيعها استتيب مطلقا ولو كان فطريا إذ ليس تحريمه معلوما ضرورة وقد يقع فيه الشبهة من حيث إنه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات قيل فيعزر فاعله ويستتاب وإن فعله مستحلا فإن تاب قبل منه وإلا قتل حد أو كأنه موضع وفاق وما وقفت على نص يقتضيه وفيما سواها من الأشربة إذا باعه مستحلا لا يقتل قطعا وإن لم يتب لعدم إجماع المسلمين على حرمته فلا يحكم بكفر مستحله الموجب لقتله نعم قالوا يعزر لفعله المحرم وهو حسن إن كان ممن يعتقد التحريم وإلا ففيه نظر وفاقا لبعض من تأخر حيث قال وفي تأديبه مع كونه من أهل الخلاف نظر [ الرابعة لو تاب الشارب قبل قيام البينة ] الرابعة لو تاب الشارب عنه قبل قيام البينة عليه بشربه سقط الحد عنه بلا خلاف في الظاهر مصرح به في جملة من العبائر وهو الحجة مضافا إلى جميع ما مر في الزنى من الأدلة ولا يسقط عنه الحد لو تاب بعد قيام البينة على الأظهر الأشهر بين الطائفة للأصل مع عدم ظهور المسقط بالكلية خلافا للحلبي فجوز للإمام العفو عنه كما اختاره في الزنى وهو مع شذوذه على الظاهر المصرح به في بعض العبائر حجته غير واضحة عدا ما مر ثمة وقد عرفت جوابه ولو تاب بعد الإقرار يتخير الإمام في الإقامة للحد عليه أو العفو عنه كما في الزنى على الأظهر الأشهر كما صرح به جمع ممن تأخر لأنها بعد الإقرار مسقطة لتحتم أقوى العقوبتين وهو الرجم أو الجلدة مائة وأقوى الذنبين وهو الزنى فأضعفهما وهو الجلد ثمانين والشرب بطريق أولى وبهذا التقرير الذي بينا به الأولوية يندفع ما أورد عليها جماعة من وجود الفارق بين الرجم وغيره من حيث تضمنه تلف النفس المأمور بحفظها شرعا بخلاف صورة الفرض وذلك لعدم انحصار حد الزنى في الرجم بل يثبت فيه الجلد مائة أيضا على بعض الوجوه وقد قدمنا سقوطه أيضا كالرجم بالتوبة بعد الإقرار ولا ريب أنه أكثر عقوبة من الجلد ثمانين وموجبه أعظم ذنبا من موجبه فليكن سقوط الحد هنا بالتوبة أولى بعده هذا مضافا إلى عموم مفهوم التعليل في بعض المعتبرة الواردة في اللواط وفيه وأما الرجل الذي اعترف باللواط فإنه لم يقم عليه البينة وإنما تطوع بالإقرار عن نفسه وإذا كان للإمام الذي من اللَّه تعالى أن يعاقب عن اللَّه سبحانه كان له أن يمن عن اللَّه تعالى أما سمعت قول اللَّه تعالى هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ومنهم من حتم الحد وأوجبه وهو الحلي والشيخ في المبسوط والخلاف وقواه الماتن في الشرائع والفاضل في التحرير وجماعة من المتأخرين لاستصحاب ثبوت الحد إلى ظهور المسقط وليس بظاهر وفيه بعد ما عرفت من وجود الدليل نظر واضح وأما ما ذكره الحلي من ظنه عدم الخلاف فيما ذكره لرجوع الشيخ في الكتابين عما في النهاية فواضح وهنه سيما بعد ما عرفت من دعوى الشهرة الظاهرة على خلافه في كلام جماعة [ الفصل الخامس في حد السرقة وهو يعتمد فصولا خمسة ] الفصل الخامس في بيان حد السرقة وهو يعتمد فصولا خمسة [ الفصل الأولى في السارق ] الأول في بيان السارق الذي يجب قطعه ويشترط فيه التكليف بالبلوغ والعقل والاختيار وارتفاع الشبهة الدارئة للحد من نحو توهم الملك كما في سائر الحدود وأن لا يكون والدا سرق من ولده وأن يهتك الحرز ويزيله فيخرج المتاع المحترز فيه ويأخذه سرا مختفيا فالقيود المشترطة في قطع السارق إذا ستة فلا يحد الطفل ولو راهق الحلم ولا المجنون ولو أدواريا إذا سرق حال جنونه لكن يعزران ويؤدبان بما يراه الحاكم وإن تكرر منهما مرارا بلا خلاف في الثاني بل ادعى الوفاق على عدم حده وهو الحجة فيه مضافا إلى حديث رفع القلم عنه من غير معارض فيه وهو