السيد علي الطباطبائي
449
رياض المسائل ( ط . ق )
الشهادة مع التهمة بناء على عدم انحصار وجه الاختفاء للتحمل فيها بل يحتمل وجوها أخر صحيحة عنها خالية إذ الحاجة قد تدعو إليه بأن يقر من عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا حضر غيره قيل ولأن الحرص على التحمل لا على الأداء وفيه نظر لأنه يدل على الحرص في الأداء ويؤول إليه بل قد يدعى أنه عين الحرص على ذلك على الوجه البليغ كذا قيل وفيه نظر [ إذا دعي الشاهد للإقامة ] وإذا دعي الشاهد للإقامة إقامة الشهادة بعد تحملها وجب إقامتها بلا خلاف بل عليه الإجماع في الظاهر المصرح به في كثير من العبائر كالقواعد والتحرير والدروس والروضة والمسالك وغيرها من كتب الجماعة وهو الحجة مضافا إلى الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة قال تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وفي غير واحد من النصوص أقم الشهادة ولو على نفسك أو الوالدين والأقربين وقال عز شأنه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه وفي المروي بعدة طرق في الكافي والفقيه وعقاب الأعمال والأمالي عن جابر عن أبي جعفر ع قال قال رسول اللَّه ص من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر دم امرأ مسلم أو ليروي وفي الفقيه لينوي بها مال امرأ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمة مد البصر وفي وجهه كدوح يعرفه الخلائق باسمه ونسبه ومن شهد بشهادة حق ليحيي بها مال امرأ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نور مد البصر تعرفه الخلائق باسمه ونسبه ثم قال أبو جعفر ع ألا ترى أن اللَّه عز وجل يقول وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ وفي حديث المناهي المروي في الفقيه أنه ص نهى عن كتمان الشهادة وقال ومن كتمها أطعمه اللَّه تعالى لحمه على رؤوس الخلائق وهو قول اللَّه عز وجل وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ الآية ونحوه مروي عن عقاب الأعمال وعن العيون في حديث النص على مولانا الرضا ع أنه قال وإن سئلت عن الشهادة فأدها فإن اللَّه تعالى يقول إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وقال وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً إلى غير ذلك من النصوص وإطلاقها كالآيات المشار إليها وإن اقتضى وجوب الإقامة عينا إلا أن ظاهر الأصحاب الإطباق على وجوبها كفاية إن زاد الشهود على العدد المعتبر شرعا وإلا فمقتضاها وادعوا عليه الإجماعات التي نقلناها وهي كافية في تقييد الإطلاقات مضافا إلى المعتبرة المستفيضة الدالة على عدم وجوب الإقامة مع عدم الاستدعاء لتحمل الشهادة إلا مع خوف فوت الحق بعدم شهادة غيره منها زيادة على ما مر الصحيحان إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت وقال في ثانيهما إذا شهد لم يكن له إلا أن يشهد والخبر عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما قال ذاك إليه إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد وإن شهد شهد بحق وإن لم يشهد فلا شيء عليه لأنهما لم يشهداه وهذه النصوص وإن دلت بإطلاقها على عدم وجوب الإقامة مع عدم الاستدعاء للتحمل مطلقا ولو انحصر ثبوت الحق بشهادتهما ولم يقل به أحد وإن توهم من جمع ولكن التحقيق خلافه كما يظهر من بعضهم ومن الفاضل في المختلف إلا أنها محمولة على صورة الانحصار للموثق وغيره إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت إلا إذا أعلم من الظالم فيشهد ولا يحل له إلا أن يشهد وبذلك صرح الصدوق في الفقيه فقال الخبر الذي جعل الخيار فيه إلى الشاهد بحساب الرجلين هو إذا كان على الحق غيره من الشهود فمتى علم أن صاحب الحق مظلوم ولا يحيي حقه إلا بشهادته وجب عليه إقامتها ولم يحل له كتمانها فقد قال الصادق ع العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما انتهى وبالجملة دلالة هذه النصوص بعد ضم بعضها إلى بعض على عدم الوجوب عينا وكونه كفاية فيما إذا زاد عدد الشهود عن العدد المعتبر شرعا واضحة ولا إشكال فيها من هذه الجهة بل الإشكال فيها إنما هو من حيث دلالتها على التفصيل بين صورتي الاستدعاء لتحمل الشهادة فيجب الإقامة عينا مطلقا ولو زاد عددهم عن المعتبر شرعا وعدمه فيجب كفاية مع الزيادة وعينا مع عدمها وهو مخالف لما عليه جمهور أصحابنا المتأخرين حيث حكموا بوجوب الإقامة كفاية مطلقا ولو في الصورة الأولى مع الزيادة وادعوا إجماعاتهم المتقدمة على ذلك كذلك إلا أن جمهور قدماء الأصحاب كالشيخ في النهاية والإسكافي والقاضي والحلبي وابني زهرة وحمزة على التفصيل المتقدم إليه الإشارة واستدل لهم زيادة على ذلك بأنه مع عدم الاستدعاء لم يؤخذ منه التزام بخلاف ما إذا تحمل قصدا فإنه يكون ملتزما كضمان الأموال والمسألة عند العبد محل تردد من استفاضة المعتبرة الصريحة المعتضدة بالشهرة القديمة وتعليلهم المتقدم إليه الإشارة ومن إطلاقات الكتاب والسنة بوجوب الإقامة المعتضدة بالأصل والشهرة العظيمة المتأخرة وإطلاقات الإجماعات المحكية على الوجوب كفاية وبعض الأمور الاعتبارية التي استدل بها جماعة من أنها أمانة جعلت عنده فوجب عليه الخروج منها كما أن الأمانات المالية تارة يحصل عنده بقبولها كالوديعة وتارة بغيره كإطارة الريح ونحوها إلا أن الأقرب الأول لرجحان مستنده على مستند الثاني لكونه مطلقات دون مستند الأول لكونه أخبارا خاصة واضحة الدلالة فلتكن عليها مقدمة والشهرة متعارضة كالتعليلات الاعتبارية وإلى المختار يميل في الكفاية ومحصله أن الوجوب كفائي إلا مع الاستدعاء للتحمل فعيني وهو كباقي الأمور الموجبة لرجوع الواجب الكفائي إلى العيني لا ينافي كفائية الواجب من أصله ومن هنا يظهر جواب آخر عن الإجماعات المحكية على وجوب الإقامة كفاية على الإطلاق لوضوح كون المدعى فيها كفائيته في نفسه المجامعة للعينية بالعرض ولا مانع في كون الاستدعاء من العوارض وكيف كان فلا ريب في وجوب الإقامة ولا خلاف فيه ولو في الجملة إلا مع خوف ترتب ضرر بسبب الشهادة غير مستحق على الشاهد أو المشهود عليه أو بعض المؤمنين فلا تجب حينئذ بل تحرم بلا خلاف للاعتبار مع أنه لا حرج ولا ضرر ولا ضرار كما في الآية والأخبار وفي الخبر أقم الشهادة إلى أن قال فإن خفت على أخيك ضيما فلا وقريب منه آخر في نسخة ولكن في أخرى من دون ذكر فلا