السيد علي الطباطبائي
412
رياض المسائل ( ط . ق )
لاحتمال حمل الأول على الحلف من غير استحلاف كما تقدم في البحث السابق والثاني على الاستحباب كما هو ظاهر الأصحاب لخلو أكثر أخبار المسألة الواردة ظاهرا في بيان الحاجة عنه بالمرة مع اختلاف المتضمن له في بيان الكيفية ففي بعض كما مر وفي آخر يقول اللهم إني لم آخذ ما أخذت منه خيانة ولا ظلما ولكني أخذته مكان حقي وفي الفقيه وفي خبر آخر إن استحلفه على ما أخذ منه فجائز له أن يحلف إذا قال هذه الكلمة وظاهره اعتبار الدعاء لجواز الحلف لا لأصل جواز الأخذ كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة فهذا أيضا اختلاف آخر مع قصور أسانيد الكل وعدم مقاومته لما مر من وجوه عديدة تظهر لمن تدبر ومع ذلك فهو أحوط حملا للمطلق على المقيد وفاقا للصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب إلا أن ظاهرهما التعيين وفيه نظر ومقتضى إطلاق النصوص والفتاوى بل ظاهرهما وصريح جملة منهما عدم الفرق في الحكم بين ما لو كان المال المقتص منه من غير جنس الحق أو من جنسه قالوا ويتخير في الأول بين أخذه بالقيمة العادلة فيما بينه وبين اللَّه تعالى وبين بيعه وصرفه في جنس الحق ويستقل بالمعاوضة كما يستقل بتعين أحد الفردين المخير بينهما قيل والرجوع إلى الحاكم في ذلك أولى ولا ريب فيه إذا لم يخف به على حقه من التلف أصلا وهل يتعين عليه أخذ الجنس إذا اجتمع مع غيره ظاهر إطلاق الأدلة كالعبارة ونحوها العدم خلافا للشهيدين وغيرهما فيتعين وهو أحوط وإن كان في تعيينه نظر وأما الوديعة ففي جواز الاقتصاص منها مع الكراهة قولان أولهما ظاهر إطلاق المتن ونحوه وصريح الشرائع والشيخ في التبيان والحلي في السرائر والفاضل في الفوائد والمختلف والصيمري في شرح الشرائع والفاضل المقداد في التنقيح والشهيدين في النكت والمسالك وفيه وفي الكفاية أنه عليه أكثر المتأخرين وهو كذلك بل لعله عليه عامتهم لإطلاق الأدلة بل عمومها الناشئ من لفظة من في الآية ومن ترك الاستفصال في الأخبار المتقدمة وغيرها كالأخبار المتقدمة في البحث المتقدم إليه الإشارة والخبرين في أحدهما عن الرجل يكون له على الرجل العين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك قال نعم وفي الثاني أنه كان لي على رجل دراهم فجحدني فوقعت له عندي دراهم فأقبض من تحت يدي مالي عليه وإن استحلفني حلفت أن ليس له على شيء قال نعم الخبر هذا مضافا إلى خصوص جملة من المعتبرة منها رواية هند المتقدمة بناء على أن مال الرجل في يدي امرأته كالوديعة وأظهر منها الخبر عن رجل دفع إليه مال ليصرفه في بعض وجوه البر فلم يمكنه صرف ذلك المال في الوجه الذي أمره به وقد كان له عليه مال بقدر هذا المال فقال هل يجوز لي أن أقبض مالي أو أرده عليه وأقتضيه فقال اقبض مالك مما في يدك وأظهر منهما خبران آخران بل هما صريحان أحدهما الصحيح إن شهابا ما رآه أي أبا العباس في رجل ذهب له ألف درهم واستودعه بعد تلك ألف درهم فقال له أبو العباس فقلت له خذها مكان الألف الذي أخذه منك فأبى شهاب قال فدخل شهاب على أبي عبد اللَّه ع فذكر له ذلك فقال أما أنا فأحب إلى أن تأخذ وتحلف ومحبته ع ذلك مع الاتفاق على المرجوحية غير قادح في الحجية بعد احتمال خصوصية في واقعة شهاب أوجبت تلك المحبة ودفعه بالأصل حسن إن لم يستلزم منه طرح الرواية المعتبرة وخروجها عن الحجية بالكلية وأما مع الاستلزام كما فيما نحن فيه فلا لعموم ما دل على حجية أمثال الرواية مع أن فيه جمعا بين الأدلة وفي الثاني رجل غصب مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحل له حبسه عليه أم لا فكتب نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه وإن كان أكثر فليأخذ منه ما كان عليه وليسلم الباقي إليه إن شاء تعالى وقصور سنده إن كان كغيره منجبر بالشهرة العظيمة المتأخرة مع أن سند هذا ربما استظهر فيه الصحة فهذا القول لا يخلو عن قوة خلافا للصدوق في الفقيه والشيخ في النهاية بل أكثر كتبه كما في المختلف والتقي والحلبي والكيدري وأبي علي الطبرسي وابن زهرة العلوي فاختاروا المنع وادعى الأخير عليه إجماع الإمامية ومال إليه بعض متأخري متأخري الطائفة له وللكتاب والسنة المستفيضة الآمرة برد الأمانة وخصوص المعتبرة ففي الصحيح عن الرجل يكون لي عليه حق فيجحدنيه ثم يستودعني مالا ألي أن آخذ ما لي عنده قال لا هذه خيانة وفيه من ائتمنك بأمانة فأدها إليه ومن خانك فلا تخنه فتأمل وفي القريب منه بابن أبي عمير الراوي عن موجب قصوره وهو ممن قد اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه من رواياته أن ابني مات وترك مالا في يد أخي فأتلفه ثم أفاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء فأخبرته بذلك فقال لا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وفي الجميع نظر فالأول بأن غايته أنه رواية صحيحة لا تعارض ما قدمناه من الأدلة المعتضدة بالشهرة العظيمة المتأخرة التي كادت تكون لنا الآن إجماعا والثاني أولا بالمعارضة بالمثل من الكتاب والسنة الدالة على جواز الاعتداء على المعتدي بمثل ما اعتدى به وهذه أرجح بالشهرة والاتفاق على العمل بها في مسألة التقاص ولو في الجملة والتأيد بأدلة نفي الضرر والعسر والحرج في الشريعة فتأمل وثانيا بأنه ليس بأولى من عمومات الأدلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير بغير رخصة وأنه خيانة فكما خصصت بأدلة جواز المقاصة فلتكن العمومات المستدل بها هنا أيضا مخصصة والثالث أولا بما أجيب به عن الإجماع المتقدم وثانيا بعدم الصراحة لاحتمالها الحمل على الكراهة أو على ما إذا لم يجتمع بعض شروط جواز المقاصة المتقدمة التي منها عدم التمكن من الانتزاع منه إلا بها وعدم إحلافه سابقا وغير ذلك فتحمل على صورة التمكن منه بغيرها أو إحلافه ويعضده تضمن هذه الروايات النهي عن الخيانة ولا يحصل مع الأخذ مقاصة لأنه في قوة أداء الأمانة إلى من ائتمنه لأنه وفي منها دينه بإذن الشارع العام كما سبق فكان بمنزلة أدائها إلى وكيله وأداء الأمانة إليه قائم مقام الأداء إلى المالك ولا تتحقق الخيانة بذلك لأن استيفاء الحق ليس بخيانة وإنما مقتضى الخيانة أكل الوديعة بغير حق وإلى هذا يشير جملة من الروايات المتقدمة المتضمنة للدعاء فإن في جملته اللهم إني لم آخذه ظلما ولا خيانة وإنما أخذته بدل مالي الذي أخذه وهو كما ترى ظاهر في أن الأخذ بدل الحق ليس ظلما ولا خيانة وقريب منها في الدلالة عليه الخبر كتبت إلى أبي الحسن ع فأخبرته أني قد أحلفته فحلف وقد وقع له عندي مال فإن أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فكتب لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك