السيد علي الطباطبائي

406

رياض المسائل ( ط . ق )

وأنها باقية على حكم مال الميت مع إحاطة الدين بها ولا إشكال فيه على القول بالانتقال كما عليه الفاضل في جملة من كتبه وشيخنا الشهيد الثاني وجمع ممن تبعه لأنها على هذا التقدير ماله فيسمع منه الدعوى على إثباته وإن منع التصرف فيها إلى أن يوفي الدين إجماعا كما في الإيضاح والمسالك عملا بالعمومات أو الإطلاقات الدالة على سماع الدعوى من كل من يستحق المدعى فيها وحجره عن التصرف فيه إلى الوفاء غير مانع كما أن حجره عنه في أمواله المرهونة أو المحجور عليه فيها غير مانع عن سماع الدعوى فيها وأما على القول الآخر الذي عليه الشيخ في المبسوط والخلاف كما حكاه عنه في الدروس والماتن في الشرائع والفاضل في بعض كتبه بل الأكثر كما في المسالك وغيره فوجهه بعد الاتفاق عليه على الظاهر ما ذكروه من أن الوارث قائم مقام المورث ومن ثم لو أبرأ الغريم من الدين صارت التركة ملك الوارث فهو مالك لها بالقوة وعلى هذا فلو توجه اليمين مع الشاهد أو برد الغريم فالحالف هو الوارث وإن كان المنتفع بالمال هو المدين وفي هذا الوجه إشكال والعمدة هو الوفاق ويمكن أن يجعل وجها مرجحا للقول بالانتقال مضافا إلى ما استدلوا به من استحالة بقاء ملك بغير مالك فإنه لا ينتقل إلى الديان إجماعا كما حكاه جماعة والميت غير مالك فينحصر المالك في الوارث ولا ينافي هذه الأدلة الدالة على أن الإرث بعد الدين والوصية من الكتاب والسنة كقوله سبحانه مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ والصحيح قضى أمير المؤمنين ع في دية المقتول أنه يرثها الورثة على كتاب اللَّه تعالى وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين لإمكان حملها على الملك المستقر ولكنه خلاف الظاهر وتظهر الفائدة في النماء المتخلل بين الوفاء وغيره دون حكم المسألة لما عرفته من الاتفاق عليه ولا ريب في تعين هذا القول لو سلمت مقدمات دليله الذي ذكرناه عنهم وإلا فيمكن أن يكون تركة الميت كدية ما يجنى عليه بعد موته فإنه لا مالك لها بل تصرف عنه في وجوه القرب كما في الصحيح وعليه الأكثر بل في الغنية الإجماع عليه وحينئذ فالأصح ما عليه الأكثر عملا بظواهر أدلتهم المتقدمة السليمة عما يصلح للمعارضة [ القضاء بالشاهد واليمين في الأموال والديون ] واعلم أنه يجوز عندنا للحاكم أن يقضي بالشاهد الواحد واليمين في الأموال والديون مطلقا وبالجملة ما يكون مالا أو يقصد منه المال كما في عبائر الأكثرين كالمفيد والشيخ في الاستبصار والمبسوط والخلاف والديلمي والحلي قائلا بأنه مذهب جميع أصحابنا وعليه عامة المتأخرين ومتأخريهم وفي جملة من عبائرهم نفى الخلاف عنه أو دعوى الإجماع عليه خلافا للشيخ في النهاية والتقي وابن زهرة فخصوا القضاء بهما في الديون خاصة وادعى الأخير عليه إجماع الإمامية ولا ريب في وهنه إن أراد بالدين معناه الأخص إذ لم يذهب إليه عدا الناقل ونادر مع رجوع الشيخ عنه في كتبه الثلاثة مدعيا عليه في الخلاف الإجماع ومع ذلك معارض بإجماع الحلي والشيخ نفسه في الخلاف وغيره المتقدم المعتضد بما ذكرناه من عبائر الأكثرين وأنه عليه عامة المتأخرين فلا إشكال في التعميم سيما مع ما يظهر من الفاضل في المختلف من نفي الخلاف فيه حيث حمل الدين في كلام النهاية على المال مطلقا بل ادعى الإجماع في محل آخر وهو ظاهر في ورود الدين بالمعنى العام الشامل له بل يظهر من مجمع البحرين وروده لمطلق الحقوق وعليه فيمكن حمل عبارة من عدا النهاية عليه أيضا فيرتفع الخلاف ولعله لهذا لم يشر إلى الخلاف هنا أحد من الأصحاب ويدل على العموم مضافا إلى إطلاق كثير من النصوص وخصوص كثير من النصوص ففي الصحيح في الفقيه لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خيرا مع يمين الخصم في حقوق الناس فأما ما كان من حقوق اللَّه تعالى ورؤية الهلال فلا وقريب منه النصوص الدالة على قضائه ع بهما في الحقوق لكن بلفظ الحق المفرد وهو يشمل الدين وغيره من الأموال والصحيح المتضمن لتخطئة علي ع شريحا في عدم قضائه بالشاهد واليمين في دعواه الدرع طلحة مشهور وهو طويل وقال في آخره فغضب علي ع وقال خذوها أي الدرع فإن هذا قضى بجور ثلاث مرات وجعل ع منها عدم اعتباره الشاهد واليمين فقال ثم أتيتك بالحسن فقلت هذا واحد ولا أقضي بشهادة رجل واحد حتى يكون معه آخر وقد قضى رسول اللَّه ص بشهادة واحد ويمين وما يقال في تضعيف دلالته من أنه ع إنما أنكر عليه قوله ولا أقضي بشهادة واحد حيث أطلق ذلك في كل موضع فأراد ع أن ينبهه على خطائه وأن هذا ليس بعام في سائر الحقوق لأن فيها ما يقضى فيه بشهادة واحد مع صاحب يمين الحق وهو الدين فكان ينبغي أن يستثنيه ولا يطلق القول إطلاقا فلعله بعيد عن ظاهر سياق الرواية ولا يعارضها النصوص الدالة على كون متعلق قضاء النبي ص والأمير ع هو خصوص الدين كالصحيح كان ص يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولا يجوز في الهلال إلا شاهدي عدل ونحوه آخر في قضاء علي ع والموثق كان رسول اللَّه ص يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحق وذلك في الدين ونحوه الخبر قضى ع بشهادة رجل واحد مع يمين الطالب في الدين لضعف دلالة الصحيحين منها على عدم قضائه فيما عدا الدين وما دل عليه منها ما بين قاصر أو ضعيف سندا ومع ذلك فلا دلالة فيهما إلا على أن قضاءه ع بذلك كان في الدين ولم يقض به في غيره وهو أعم من عدم جواز القضاء به فيه فقد يجوز ولكن لم يتفق له ع فتأمل ومع ذلك فهما كالصحيحين قاصران عن المقاومة لما قدمناه من الأدلة من الإجماعات المنقولة والنصوص الكثيرة المعتضدة بالشهرة العظيمة التي هي الآن إجماع في الحقيقة فلتطرح هذه الروايات على تقدير وضوح دلالتها أو تحمل على ما حمل عليه عبارة النهاية ومن ضارعه كما فعله جماعة ومما ذكرنا ظهر المستند في حكم أصل المسألة مضافا إلى دعوى الإجماع منا عليه في الجملة في المسالك وغيره ونفى عنه الخلاف كذلك جماعة والنصوص به زيادة على ما قدمناه مستفيضة كادت تبلغ مع ما مضى التواتر بل لعلها متواترة هذا مضافا إلى فحوى المعتبرة منها الصحيح إن رسول اللَّه ص أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف بالله تعالى أن حقه لحق والموثق بل الصحيح كما في الروضة وغيره إذا شهد لطالب الحق امرأتان ويمينه جائز وبمضمونها أفتى أكثر الأصحاب وهو الأصح خلافا للحلي والماتن كما سيأتي مع التحقيق في المسألة في كتاب الشهادات إن شاء اللَّه تعالى ولا يقبل الشاهد واليمين ولا يقضى بهما في غيره أي غير ما ذكر من المال وما يقصد منه مثل الهلال والحدود والطلاق المجرد عن المال والقصاص بلا خلاف للأصل مع اختصاص ما مر من الفتوى والنص بقبولهما في المال مع تصريح جملة من الثاني بالمنع عن قبولهما في الأولين وبعض منه وإن دل على قبولهما في