السيد علي الطباطبائي

387

رياض المسائل ( ط . ق )

وقد كان نبيا والبصر يقوم مقامه شاهدان والأقرب الأشهر كما في المسالك والروضة وشرح الشرائع للصيمري بل عليه عامة من تأخر أنه لا ينعقد له القضاء لا لما ذكر في توجيهه لقصوره بجميع أقسامه عن إفادة الحكم على وجه يطمأن به بل لمثل ما ذكرناه في اشتراط العلم ب‍ الكتابة من بلوغ الشهرة حد الإجماع لعدم معروفية القائل بالخلاف من الأصحاب وإن أشعر بوجوده بعض العبارات ومن الأصل مع البناء المتقدم وضعف دليل الخلاف بكونه قياسا مع الفارق لانجبار عمى شعيب بالعصمة والوحي بخلاف القاضي كما مر مضافا إلى منع جماعة من الأصحاب عماه بالكلية هذا مع أن اشتراط المعرفة بالكتابة يستلزم اشتراط البصر كما نبه عليه في التنقيح قال استدلالا بالملزوم على اللازم فتدبر وفي اشتراط الحرية أيضا تردد ينشأ مما يأتي ومن أن القضاء ولاية والعبد ليس محلا لها لاشتغاله عنها باستغراق وقته بحقوق المولى وأنه من المناصب الجليلة التي لا يليق حال العبد بها والأشبه عند الماتن هنا وفي الشرائع أنه لا يشترط للأصل وأن المناط العلم وهو حاصل وعموم قوله ص فيما يأتي من النصوص فانظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه قاضيا بينكم فإني قد جعلته قاضيا وفي الأدلة من الطرفين نظر فالأول من الأول بالمنع من عدم أهليته للولاية مطلقا بمجرد ما ذكروه من التعليل بالاشتغال بحقوق المولى المانع من القضاء إذ غايته عدم الأهلية مع عدم إذن المولى لا مطلقا وهو أخص من المدعى والثاني منه بأنه مجرد دعوى بل ومصادرة وإعادة للمدعى وأما الأول من الثاني فبعدم دليل عليه إن أريد منه أصالة الجواز بل الأصل يقتضي العدم كما مضى بناء على أن ثمرة هذا الاختلاف إنما هو بالإضافة إلى نصب القاضي أو انتصابه في زمان غيبة الإمام عليه السلام لا زمان حضوره فإنه في الثاني إليه ولا اختلاف في فعله وحينئذ فالأصل عدم جواز صرف منصبه إلى غيره والتصرف فيه بغير إذنه وإن أريد منه عموم الإذن فيما ورد من النص الآتي ففيه أنه حينئذ نفس العموم لا مغايرة بينهما وقد جعل أحدهما للآخر بالعطف مغايرا وكل منهما دليلا مستقلا وأما الثاني فبكونه مستنبطا لا دليل عليه أصلا فيكون الحكم به قياسا وأما الثالث منه فبالمنع من عمومه لغة بل غايته الإطلاق الغير المنصرف بحكم التبادر إلى نحو العبد جدا سيما بملاحظة قوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فإذا المنع أقوى وفاقا لأكثر أصحابنا كما في المسالك ولا شبهة في شهرته وندرة القائل بخلافه حيث إنه لم يقل به أحد عدا الماتن في الشرائع وهنا أيضا مع أنه أحوط أيضا واعلم أنه لا بد مع اجتماع هذه الشرائط من إذن الإمام ع بالقضاء لمستجمعها خصوصا أو عموما ولا يكفي مجرد اجتماعها فيه إجماعا لما مضى من اتفاق النص والفتوى على اختصاصه ع بمنصب القضاء فلا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذنه قطعا ومنه ينقدح الوجه فيما اتفقوا عليه من أنه لا ينعقد القضاء بنصب العوام له أي المستجمع الشرائط وغيره بالطريق الأولى بينهم قاضيا لكن روى الكشي في عروة القتات ما يشير إلى الجواز وفيه قال قال أبو عبد اللَّه ع أي شيء بلغني عنكم قلت ما هو قال بلغني عنكم أنكم أقعدتم قاضيا بالكناسة قال قلت نعم جعلت فداك رجل يقال له عروة القتات وهو رجل له حظ من عقل نجتمع عنده فنتكلم ونتساءل ثم نرد ذلك إليكم قال لا بأس إلا أن سنده قاصر بالجهالة بل ودلالته أيضا ضعيفة إذ ليس نفي البأس فيه إلا عما ذكره الراوي وفسر به نصبهم القاضي من الاجتماع إليه للتساؤل والتحادث والرد إلى الأئمة ع وهو غير الاستقضاء له والتحاكم إليه ولا ينافيه قوله ع في الصدر أقعدتم قاضيا لما مر من نقل الراوي وبيانه لإقعاده وأنه ليس للقضاء الحقيقي بل لما مر ونفي البأس إنما تعلق به لا بالاستقضاء الحقيقي بل ربما دل قوله ع أي شيء بلغني على نوع إنكار لما بلغ إليه من إقعاده قاضيا حيث إن المتبادر منه كونه قاضيا حقيقيا ففيه تأييد لما ذكره الأصحاب جدا فلا شبهة فيه أصلا نعم لو تراضى اثنان خصمان بواحد من الرعية فحكم بينهما لزم حكمه في حقهما في المشهور بين أصحابنا بل لم ينقلوا فيه خلافا أصلا مستندين إلى وقوع ذلك في زمان الصحابة ولم ينكر أحد منهم ذلك وفحوى النبوي ص من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة اللَّه وأرى البحث في هذه المسألة قليل الفائدة بناء على اختصاصها بزمان حضوره ع دون غيبته وذلك لإجماعهم على الظاهر المصرح به في الروضة والمسالك على اشتراط الحكم فيها باستجماع الواحد الذي إليه تحاكما وبه تراضيا لجميع صفات القاضي المنصوب من قبله ع وشرائطه التي قدمناها سوى نص من له الولاية بالعموم أو الخصوص وفرضه في زمان الغيبة غير متصور بناء على ما سيأتي من تحقق الإذن العام في القضاء لمن استجمع تلك الشرائط فإذا حصلت له حالتها في رجل كان مأذونا وإن فقدت فيه لم يجز له القضاء مطلقا ولو كان الإمام حاضرا هذا وفرضه في زمان الحضور مشكل أيضا بناء على أن ما تضمن الإذن في القضاء لمستجمع الشرائط عام غير مختص بحال الغيبة بل يشمل ما لو كان ع حاضرا فكيف يتصور وجود مستجمع للشرائط حالة الحضور لم يكن من قبله ع مأذونا نعم يتصور فرض ذلك لو اشترط الإذن الخاص زمان الحضور كما هو ظاهر ولكن الدليل المتضمن للإذن له عام كما قدمنا أو لم يشترط فيه اجتماع جميع الصفات والشرائط المعتبرة في القاضي المنصوب كما هو ظاهر الشهيد في اللمعة ولكنه خلاف ما وقفت عليه من عبائر الجماعة كالماتن في الشرائع وشيخنا الشهيد الثاني في شرحه والفاضل في الفوائد والقواعد وولده في شرحه والفاضل المقداد في شرح الكتاب والشهيد في الدروس وغيرهم من الأصحاب حتى أن شيخنا الشهيد الثاني كما عرفت ادعى عليه الوفاق ويمكن أن يقال إن ما دل على الإذن العام لم يصدر إلا عن الأئمة وحضورهم في زمانهم كغيبتهم لعدم بسط يدهم وسلطنتهم وعدم نفوذ حكمهم فلا يشترط الإذن الخاص في زمانهم وحينئذ يختص تصور وجود قاضي التحكيم الذي هو مورد المسألة بزمان النبي ص حيث إنه لم يكن فيه تقية بل كان نافذ الحكم على جميع البرية ويكون المراد بحضور المشترط فيه الإذن الخاص لنصب القاضي الحضور الخاص الذي ينفذ حكمه فيه ويكون غيره في معنى الغيبة وبذلك صرح جماعة ومنهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال بعد قول الماتن ومع عدم الإمام ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت عليهم السلم الجامع للصفات المشترطة في الفتوى لقول أبي عبد اللَّه ع فاجعلوه قاضيا فقد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه ولو عدل