السيد علي الطباطبائي
388
رياض المسائل ( ط . ق )
والحال هذه إلى قضاة الجور كان مخطئا ما لفظه ما تقدم من اشتراط نصب القاضي وإن كان فقيها ومجتهدا وعدم نفوذ حكمه إلا مع التراضي به مختص بحال حضور الإمام وتمكنه من نصب القضاة أما مع عدم ذلك إما لغيبة أو لعدم بسط يده فيسقط هذا الشرط من جملة الشروط وهو نصب الإمام انتهى ووجهه يظهر مما قدمناه ثم قال وينفذ عندنا قضاء الفقيه العدل الإمامي الجامع لباقي الشرائط وإن لم يتراض الخصمان بحكمه لقول أبي عبد اللَّه ع لأبي خديجة إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه إلى أن قال وقريب منها رواية عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد اللَّه ع عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل له ذلك فقال من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر اللَّه تعالى أن يكفر به قلت كيف يصنعان قال انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم اللَّه استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على اللَّه تعالى وهو في حد الشرك بالله تعالى وفي طريق الخبرين ضعف ولكنهما مشتهران بين الأصحاب متفق على العمل بمضمونهما فكان ذلك جابرا للضعف عندهم انتهى كلامه أعلى اللَّه مقامه وهو كما ترى قد كفانا مئونة الاشتغال لشرح ما هنا إلا أن ما ذكره من الضعف في الرواية الثانية محل مناقشة إذ ليس في سندها سوى داود بن الحصين والنجاشي قد وثقه وعلى تقدير ثبوت وقفه كما ذكره الشيخ وابن عقدة فهو موثق لا ضعيف كما ذكره وعمر بن حنظلة وهو ممن قد حكي عنه بأنه وثقه هذا مع أن في السند قبلهما صفوان بن يحيى وقد حكي على تصحيح ما يصح عنه إجماع العصابة وبالجملة فالرواية قوية غاية القوة كالصحيحة حجة في نفسها مع قطع النظر عن الشهرة الجابرة وبها يعارض جماعة في استدلالهم بالرواية الأولى على جواز التجزي في الاجتهاد لمكان قوله فيها يعلم شيئا من قضايانا وذلك لدلالة الرواية الثانية على اعتبار المعرفة بالأحكام جملة لمكان الجمع المضاف وهو حيث لا عهد يفيد العموم لغة وهي كما عرفت بحسب السند معتبرة ولا كذلك الرواية الأولى لأنها بالاتفاق ضعيفة لأن في سندها معلى بن محمد وأبا خديجة وحالهما في الضعف مشهورة والشهرة الجابرة مشتركة فقوة السند في الأخيرة مرجحة هذا بعد تسليم دلالتها وإلا فهي ممنوعة يظهر وجهه بالتدبر فيما ذكره الخال العلامة أدام اللَّه تعالى ظله في بعض حواشيه ردا على بعض هؤلاء الجماعة فقال لا نزاع في أن العلم بجميع الأحكام ليس شرطا في الفتوى والاجتهاد كيف وهو من خواص الشارع بل النزاع إنما هو في اشتراط الاطلاع بجميع مدارك الأحكام والقدرة على استنباطها ومنها التوقف كما لا يخفى على المطلع بأحوال المجتهدين الذين لا تأمل في اجتهادهم بل لا يوجد مجتهد إلا ويتوقف في بعض المسائل بل وغير واحد منها فعلى هذا لا دلالة للرواية على التجزي بل على أن العالم ببعض الأحكام مجتهد وقوله فيه حجة والمانع للتجزي يمنع حصول العلم ببعض الأحكام للمتجزي إلا أن يدعي ظهور العلم ببعضها من دون الإحاطة بجميع المدارك في ذلك الزمان لكن لو تم هذا بحيث ينفع محل النزاع يكون هو الدليل من دون مدخلية الرواية ثم أطال سلمه اللَّه في وجه منع المانع للتجزي عن حصول العلم للمتجزي ويرجع حاصله إلى ما قدمنا تحقيقه قريبا هذا وذكر شيخنا في المسالك أنه لا يكفي اجتهاد القاضي في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد أيضا ولم ينقل فيه خلافا وظاهره يعطي الاتفاق على المنع من قضاء المتجزي وينبغي القطع به مع وجود المجتهد المطلق والتمكن منه للأمر بالرجوع إلى الأعلم في مقبولة عمر بن حنظلة الطويلة ونحوها من أخبار كثيرة وما يستفاد من الروايتين من حرمة التحاكم إلى حكام الجور مجمع عليه بيننا وغيرهما من الروايات مستفيضة به بل متواترة جدا مضافا إلى الآية الكريمة المذكورة فيها ويستفاد منهما عدم جواز أخذ شيء بحكمهم وإن كان له حقا وهو في الدين ظاهر وفي العين مشكل لكن العموم مقتضاهما وفي المسالك وغيره استثنى من الحكم بتخطئة التحاكم إليهم ما لو توقف حصول حقه عليه فيجوز كما يجوز الاستعانة على تحصيل الحق لغير القاضي قال والنهي في هذه الأخبار وغيرها محمول على الترافع إليهم اختيارا مع إمكان تحصيل الغرض بأهل الحق قال وقد صرح به في خبر أبي بصير عن أبي عبد اللَّه ع قال أيما رجل كان بينه وبين أخ له مما رآه في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة هؤلاء الذين قال اللَّه عز وجل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ الآية انتهى وظاهرهما عدم الخلاف حيث لم ينقلاه فيه كالفاضل في المختلف لكن في صورة ما إذا كان أحد المتخاصمين محقا والآخر مخالفا وأما في صورة كونهما محقين فقد نقل القول بمنعهما عن الترافع إلى هؤلاء عن الحلبي واعترضه بالمنع من الفرق بين الصورتين قال لأن للإنسان أن يأخذ حقه كيف أمكن وكما جاز الترافع مع المخالف إلى المخالف توصلا إلى استيفاء الحق فليجز مع المؤمن الظالم بمنع الحق وهو ظاهر في اعتراف الحلبي بأن علة الجواز حيثما يقول به هو التوصل إلى الحق ومرجعها إلى الأدلة العامة بنفي العسر والحرج في الشريعة وقوله سبحانه فَمَنِ اعْتَدى الآية فالحكم لا بأس به إلا أنه ينبغي أولا إعلام الخصم المانع عن الحق برفعه إلى حاكم الجور إذا أصر على جنس الحق فإن ارتدع وإلا فليترافع اقتصارا فيما خالف الأصل الدال على حرمة الترافع إليهم على محل الضرورة وأما ما في الكفاية من استشكاله في الحكم بأن في الترافع إليهم إعانة لهم على الإثم محرمة فضعيف غايته إذ ليس ما دل على حرمتها بأقوى مما دل على حرمة التحاكم إلى هؤلاء الظلمة فكما يخصص [ تخصص بأدلة نفي الضرر والعسر في الشريعة وآية الاعتداد [ الاعتداء المتقدمة هذه فليكن [ فلتكن تلك الأدلة بها أيضا مخصصة وإنما جعلت أدلة نفي الحرج مخصصة للأدلّة المانعة بنوعيها مع كون التعارض بينهما تعارض العموم والخصوص من وجه فيحتمل العكس لأوفقيتها بأصالة البراءة التي هي حجة مستقلة لو فرض تساقط الأدلة بعد تعارضها من كل جهة وقبول القضاء عن السلطان