السيد علي الطباطبائي

303

رياض المسائل ( ط . ق )

ولعله الحديث لا ضرر ولا ضرار ولا فرق في التلف بين كونه عينا أو منفعة وهو قد يكون بالمباشرة وإيجاد علة التلف كالأكل والإحراق والقتل ونحو ذلك وبالسبب وفعل ملزوم العلة كحفر البئر وإذا اجتمعا المباشر بلا خلاف ظاهر بل ظاهرهم الإجماع عليه وبه صرح المقدس الأردبيلي ره قال وكأنه مجمع عليه وذلك كما لو سعى إلى ظالم بآخر فأخذ ماله أو فتح بابه على مال فسرق أو دل السراق إلى مال فسرقوه فإن في جميع هذه المسائل ضمن المباشر الذي هو الظالم والسارق دونه أي دون السبب قالوا لأنه أقوى وفيه نظر فإن القوة لا تدفع الضمان عن ذي السبب بعد وجود ما يقتضي ضمانه أيضا وهو ما مر من حديث نفي الضرر ولا امتناع في الحكم بضمانهما معا وتخير المالك في الرجوع إلى أيهما شاء كالغصب فلو لا الإجماع الظاهر المعتضد بالأصل لكان القول بضمانهما كترتب الأيدي في الغصب في غاية الحسن وعلى هذا نبه خالي العلامة دام ظله في حاشيته على الشرح الفوائد إلا أن ظاهره سلمه اللَّه المصير إليه أو بقاؤه في شباك التردد من دون أن يقطع بما ذكره الأصحاب ولعله لتوقفه في فهم الإجماع وتردده في قبول حكايته من ناقله لعدم قطعه به وهو حسن ولكن الإجماع ظاهر فالمصير إلى ما ذكروه متعين إلا مع قوة السبب كالمكره والملقى للحيوان في المسبعة لو قتله السبع لاتفاقهم أيضا على هذا الاستثناء ولذا قالوا لو أزال القيد عن فرس ونحوه فشرد أو عن عبد مجنون فأبق أو قفص طائر فطار ضمن المزيل ونفي الخلاف في جميع ذلك في المبسوط وعليه في ظاهر التذكرة إجماع الإمامية ويحتج لضمانه زيادة عليه بما مر من حديث نفي الضرر ويبقى الإشكال في الحكم بنفي الضمان عن المباشر لو كان لثبوت ضمانه وإن ضعف بعموم على اليد ولا مانع من اجتماع الضمانين كما مر ولكن المخرج عن هذا الإشكال كالمخرج عن الإشكال الأول بناء على انعقاد الإجماع في الظاهر على اختصاص الضمان بالسبب القوي دون المباشر ومما ذكرنا يظهر الوجه فيما حكموا به من غير خلاف يعرف من أنه لا يضمن لو أزاله أي القيد عن عبد عاقل بناء على قوة المباشر الذي هو العبد لأن له اختيارا صحيحا فذهابه محال عليه إذ لا يتوقع منه الفرار بخلاف المجنون قيل هذا إذا لم يكن آبقا وإلا ففي ضمانه وجهان من أنه بعقله يحال عليه الفعل ومن أن إطلاقه وقد اعتمد المالك ضبطه إتلاف عليه فكان كحل المجنون والبهيمة انتهى وهذا ظاهر في عدم الإجماع على الحكم في الآبق وعليه فالوجه الثاني متعين لما مر من عموم ما دل على ضمان السبب وإنما خرج عنه في محل الإجماع به وهو مفقود في المقام بمقتضى الفرض [ الثاني في الأحكام ] الثاني في الأحكام يجب رد المغصوب على مالكه ما دامت العين باقية يمكنه ردها سواء كانت على هيئتها يوم غصبها أم زائدة أم ناقصة وإن تعسر رده واستلزم ذهاب مال الغاصب كالخشبة المستدخلة في البناء واللوح في السفينة والخيط في الثوب والممزوج الشاق تمييزه كالحنطة بالشعير ونحو ذلك بلا خلاف في شيء من ذلك إلا في وجوب فورية الرد مع ذهاب مال للغاصب أو من بحكمه وبعدم الخلاف صرح في التذكرة وهو ظاهر المسالك وغيره وبالإجماع عليه صرح جماعة كالشهيدين في الدروس والروضة والمقدس الأردبيلي ره وهو ظاهر الكفاية وهو الحجة مضافا إلى عموم على اليد ما أخذت حتى تؤدي ولم ينقل الخلاف في المسألة إلا عن أبي حنيفة في الخشبة المستدخلة في البناء أو المبني عليها حيث حكم فيها بملكه للغاصب ووجوب غرم قيمته على الغاصب ويضعف زيادة على ما مر بأن بناء العدوان لا يزيل ملك المالك كما لو غصب أرضا وبنى عليها باعترافه وأن القدرة على المثل تمنع العدول إلى القيمة لأن المثل أقرب إلى المغصوب فأولى أن يمنع القدرة على العين العدول إلى القيمة وبالجملة لا ريب في فساد ما ذكره ووجوب رد العين فورا إلى مالكه وإن استلزم تلف مال الغاصب كما هو ظاهر إطلاق العبارة والأكثر كما في المسالك وذكر فيه وفي الروضة والشهيد في الدروس أنه لو خيف غرق الغاصب أو غرق حيوان محترم أو مال لغيره ولم يكن بحكمه كان تصرف في المغصوب جاهلا بالغصب لم ينزع إلى أن يصل إلى الساحل ولو عاب بالرد ضمن الأرش ولو بلغ حد الفساد على تقدير الإخراج بحيث لا يبقى لها قيمة فالواجب تمام قيمتها بلا خلاف وفي جواز إجباره على النزع حينئذ وجهان من فوات المالية وبقاء حق المالك في العين والأول أجود وإن حكى في المسالك عن ظاهر الأصحاب الثاني لأنها تنزل منزلة المعدوم وفيه نظر [ تحديد مثلي وقيمي ] ولو تلف المغصوب أو تعذر العود إليه ورده ضمن الغاصب مثله إن كان المغصوب مثليا بلا خلاف لأنه أقرب إلى التالف وقد اختلف عباراتهم في ضبط المثلي فالمشهور بينهم كما في المسالك والكفاية أنه ما كان متساوي الأجزاء قيمة أي أجزاء النوع الواحد منه كالحبوب والأدهان فإن المقدار من النوع الواحد منه يساوي مثله في القيمة ونصفه يساوي نصف قيمته وضبطه بعضهم بالمقدر بالكل أو الوزن وبعضهم بأنه ما يتساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية وزاد آخرون عليه اشتراط جواز السلم فيه وعرفه في الدروس بأنه المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات وتبعا في المسالك والكفاية قائلين إنه أقرب التعريفات إلى السلامة ولا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات عدا العرف واللغة وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما إذ هي فرع تعليق الحكم بلفظ المثل في دليل وليس بموجود عدا قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وفيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه فتأمل هذا مع أنه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي عدا الإجماع والاعتبار وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات فليرجع في خصوص الأفراد إلى ما أجمع على كونه مثليا أو قيميا ولا إشكال فيما ظهر فيه ويشكل الأمر فيما عداه وينبغي الاحتياط في مثله بالرجوع إلى الصلح والتراضي إن أمكن وإلا فلا يبعد ترجيح مختار الأكثر لرجحانه بالشهرة ولولاها لكان العمل بالتخيير بين الأداء متجها كما هو الحال في ترجيح الأقوال المختلفة التي لا مرجح لأحدها على الآخر من الأدلة وربما يرجح مختار الأكثر على أكثر ما عداه أيضا بسلامته عن النقض الذي يورد عليه من شموله للثوب لأن قيمة أجزائه متساوية مع أنه قيمي وذلك فإنه يمكن أن يقال الثوب ليس بمتساوي الأجزاء فإن ذراعا منه قد يسوى عثمانيا والآخر شاهيات بل ربما لا يكون له قيمة أصلا كما لا يخفى وأما ما يورد عليه من أنه