السيد علي الطباطبائي
24
رياض المسائل ( ط . ق )
وهي مع ذلك طاعة وقربة فهي من جهات المصالح المأذون فيها بخلاف الكنائس فإن الوقف عليها وقف على جهة خاصة من مصالح أهل الذمة لكنها معصية لأنها إعانة لهم على الاجتماع عليها من أهلها للعبادات المحرمة والكفر بخلاف الموقوف عليهم أنفسهم لعدم استلزامه المعصية بذاته إذ نفعهم من حيث الحاجة وأنهم عباد اللَّه سبحانه ومن جملة بني آدم المكرمين ومن يجوز أن يتولد منهم المسلمون لا معصية فيه وما يترتب عليه من إعانتهم به على المحرم كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والذهاب إلى تلك الجهات المحرمة ليس مقصودا للواقف حتى لو فرض قصده له لحكم ببطلانه ومثله الوقف عليهم لكونهم كفارا فلا يصح كما لا يصح الوقف على فسقة المسلمين من حيث هم فسقة ولو وقف على ذلك أي البيع والكنائس الكافر الذي يعتقد صحة الوقف عليهما ويحصل منه بمعتقده التقرب به إلى اللَّه تعالى صح على الأصح وفاقا للمفيد وضى والفاضل المقداد في الشرح إقرار لهم على دينهم مع أنه لا بد لهم من معبد وأنه لم أقف فيه على مخالف عدا الماتن هنا فقال وفيه وجه آخر هو العدم كما صرح به بعد أن سئل عنه قال لتعذر نية القربة من الكافر وهي شرط في صحة الوقف وفيه نظر لمنع التعذر منه على الإطلاق لاختصاصه بالمعطلة والدهرية وربما يحكى عن الأولين جواز وقف الكافر على نحو بيوت النيران خلافا للإسكافي ووافقه الفاضل والمقداد فصرحوا بالمنع [ ولا يقف المسلم على الحربي ] ولا يقف المسلم على الحربي مطلقا ولو كان له رحما قريبا وفاقا للديلمي وضى بل نسبه في المسالك إلى المشهور مؤذنا بعدم الخلاف فيه ونحوه في عدم ظهور الخلاف فيه في التنقيح وفيه نظر فإن كلمة قدماء الأصحاب المختلفة المحكية في المسألة الآتية مطلقة في الكافر إلا كلام المبسوط فاختص بأهل الذمة وبهما اعترف في المسالك ولعل الوجه في تخصيص جملة من المتأخرين عبائرهم بأهل الذمة أن الوقف إذا وجب الوفاء به حرم تغييره ونقله عن وجهه ومال الحربي فيء للمسلمين يصح أخذه وبيعه ولا يجب دفعه إليه لأنه غير مالك كما صرحوا به في الوصية وهو ينافي صحته ولا كذلك الذي قيل وفيه نظر فإن تحريم تغييره من حيث الوقف لا ينافيه من حيثية أخرى هي جواز التصرف في مال الحربي بأنواع التصرفات المستلزم لتغييره وفيه نظر لابتناء الوجه على عدم مالكية الحربي فكيف يصح مع ذلك الوقف عليهم لأنه إما تمليك عين أو منفعة وليس بمالك لهما بمقتضى الفرض وما ذكر في الجواب مبني على تملكه وهو كما عرفت في محل المنع نعم ربما يتوجه النظر بمنع دعوى عدم مالكية أهل الحرب والإجماع على كون مالهم فيئا للمسلمين لا يدل على صحة الدعوى فقد يكون ملكهم متزلزلا مراعى إلى استيلاء يد المسلم فإن تحقق خرج عن ملكهم وإلا فلا وحينئذ فلا مانع من تملكهم العين الموقوفة أو منفعتها بعقد الوقف وخروجها عن ملكهم باستيلاء يد الواقف أو غيره عليها من حيث كونها ملك أهل الحرب وأخذ الواقف لها بالاستيلاء من هذه الحيثية لا ينافي الصحة من حيث الوقفية لظهور ثمرة الصحة فيما لو نذر وقفا صحيحا في الشريعة ووقف عليهم فيبرأ في نذره وإن جاز له أخذ العين الموقوفة من حيث الحربية وهذا الوجه وإن صلح ردا لوجه التخصيص إلا أنه لا يستفاد منه دليل على صحة الوقف بل يتوقف على دليل على أي تقدير وهو مفقود لعدم عموم أو إطلاق ينفع والأصل الفساد وعلى تقدير تسليم العموم كما هو الظاهر منهم حيث عللوه بوجود المانع وهو عدم المالكية لا عدم المقتضي كما قلنا فيشكل الحكم بالفساد إلا أن يقال باتفاقهم على اشتراط مالكية الموقوف عليه وهي هنا إما منتفية أو مشكوك فيها غير معلومة والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فيبقى أصالة الفساد بحالها باقية فالقول به مطلقا كما في العبارة في غاية القوة سيما مع دعوى الصيمري نفي الخلاف عنه في الأجانب منهم كالشيخ في الخلاف في الوصية والمسألتان متشابهتان بلا شبهة وفيه مناقشة يظهر وجهها مما سنذكره في كتاب الوصية في بحث تشابه المسألة ومقتضاه ومقتضى غيره مما نذكره ثمة فساد الوقف في المسألة ولا يخلو عن قوة لكن المحكي عن مجمع البيان الإجماع على جواز أن يبر الرجل إلى من يشاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة قال وإنما الخلاف في إعطائهم مال الزكاة والفطرة والكفارات فلم يجوزه أصحابنا وفيه خلاف بين الفقهاء ولا ريب أن الوقف عليهم من جملة البر ويمكن الذب عنه بتخصيصه بغير الوقف ونحوه مما يشترط فيه قابلية الموقوف عليه للتملك وهي هنا غير حاصلة قطعا أو احتمالا موجبا للشك في الشرط جدا ومعه لا يمكن القطع بوجود المشروط أصلا فتأمل جدا وبالجملة فعدم الصحة فيهم أقوى ويقف المسلم على الذمي ولو كان أجنبيا للعمومات مثل الوقوف على حسب ما يقفها أهلها ولكل كبد حرى أجر وقوله تعالى لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وفي الجميع نظر لاختصاص الأول بالوقوف الصحيحة المتضمنة لشرائط الصحة التي منها قصد القربة وفي إمكانها على الإطلاق مناقشة إذ هي فرع الأمر بالوقف أو مطلق الصدقة والمبرة عليهم ولا أثر منه في الشريعة لا في كتاب ولا سنة فكيف يقصد التقرب إلى جنابه سبحانه بشيء لم يرد منه فيه أمر أو حث وترغيب بنحو مما ورد في المستحبات الشرعية وبه يظهر الجواب عن الدليلين الأخيرين فإن غايتهما الدلالة على ثبوت الأجر وعدم النهي من المودة وهما لا يستلزمان الأمر بالوقف أو المودة حتى يتحقق فيه قصد القربة المشترطة في الصحة مع معارضتهما بعموم دليل المنع وهو قوله سبحانه لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ هذا مع أني لم أجد لهذا القول عدا الماتن هنا وفي الشرائع قائلا وإن عده كثير من أصحابنا قولا وذلك فإن كلمة الأصحاب المحكية في المسألة ليست في الجواز مطلقة بل هي ما بين مخصص له بالأقارب كما عن الشيخين وابني حمزة وزهرة والحلبي أو بالوالدين خاصة كما عن الحلي فهذا القول ضعيف غايته كالقول بالمنع مطلقا كما عمن تقدم في المسألة السابقة لعدم دليل عليه سوى إطلاق الآية المانعة وعدم إمكان القربة وليسا بحجة فالأول بلزوم تقييده بما سيأتي من الأدلة مع معارضته بعموم الآية الأولى المجوزة المعتضدة بما سبقها من الرواية مع أنه قال جماعة فيه بأن الظاهر أن النهي عن الموادة إنما هو من حيث كونه يحاد اللَّه ورسوله وإلا لحرم اللطف والإكرام وهو فاسد لإجماع الطبرسي المتقدم إليه الإشارة والثاني