السيد علي الطباطبائي
25
رياض المسائل ( ط . ق )
بمنعه على إطلاقه بل هو متجه فيما عدا الأقارب حيث لم يرد الأمر بالمودة إليهم والترغيب في صلتهم وأما هم فيتأتى قصد القربة بالوقف عليهم لورود الأمرين في حقهم سيما الوالدين فقد قال اللَّه تعالى وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً مع أنه يستفاد من القائل بهذا وكذا الحلي ورود الرواية بالجواز على ذي القرابة مطلقا كما عليه الشيخان ومن تبعهما وهو أقوى لما مضى بل ظاهر الغنية عدم الخلاف فيه أصلا وادعى الإجماع عليه في الخلاف صريحا وقصور سند الرواية مجبور بعمل هؤلاء العظماء من قدماء الطائفة وكذا الدلالة مع بعد خطاء هؤلاء النقلة فيها البتة وكثير من النصوص الظاهرة في صحة الوقف على الأقارب شاملة للمسألة بإطلاقها أو عمومها الناشئ من ترك الاستفصال عنهم بأنهم مسلمون أو كفرة وهي وإن كان في صلوحها للحجية مناقشة إلا أنها للتأييد والتقوية صالحة بل يأتي على قاعدة بعض المشايخ صلوحها للحجية والدلالة ومنه يظهر فساد القول الأخير مع موافقة قائله في بعض كلماته الشيخين في التعدية إلى ما عدا الوالدين وإن منع عنهما مرتين ولذا نسبه الأصحاب إلى اضطرابه في البين وتردده في اختياره أحد هذين القولين هذا ومما ذكرنا من الأدلة منعا وجوازا يظهر وجه التعدية للحكم إلى سائر معاندي الحق وإن اختص كلام الجماعة بالكفرة المتبادر منهم من ليس لهم من الإسلام حظ بالمرة وبهذا التعميم صرح في الغنية والتقي والمقداد في الشرح نافيا الأول بعده الخلاف وهو لازم لكل من اشترط القربة [ ولو وقف المسلم على الفقراء ] ولو وقف المسلم على الفقراء أو العلماء أو نحوهما مما يدل على وصف مع العموم لغة انصرف إلى ذي الوصف من فقراء المسلمين وعلمائهم ولو كان الواقف المتلفظ بتلك اللفظة كافرا انصرف إلى ذي الوصف من فقراء نحلته وملته بلا خلاف أجده عملا بالعرف وشهادة الحال والعادة فيخصص بها ما يقتضيه اللفظة من العموم لكل فرد فرد لغة بناء منهم على تقديم العرف عليها مطلقا ويأتي على مذهب من عكس التعميم مطلقا ولو إلى غير ذي الوصف من نحلته وهو مع مخالفته الإجماع هنا ظاهرا محجوج بما تقرر في محله مضافا إلى اختصاص الخلاف في تقديم أحدهما على الآخر بكلام الشارع لا نفس العرف المتقدم اصطلاحه على اللغة والشرع إجماعا مع أن إرادة ذي الوصف من نحلته ليس من حيث كونه حقيقة فيه دون غيره في عرف الواقف بل من حيث شهادة الحال بإرادته خاصة وأن ذلك إلا من قبيل إرادة بعض أفراد الحقيقة بمعونة القرينة وإن عمت اللفظة في عرف المتكلم بل وغيره غير ذلك الفرد فتدبر وهذا يتم مع تحقق دلالة العرف وشهادة الحال به فلو انتفت أو شك فيها وجب التعميم لجميع من يتصف بوصف الموقوف عليهم رجوعا إلى حقيقة اللفظ التي هي الأصل مع سلامتها عن المعارض أصلا إلا أن ثبوتها لما كان ظاهرا أطلق العبارة كغيرها الانصراف إلى ذي الوصف من نحلته ومقتضى هذه القاعدة انصرف الوقف إلى ذي الوصف من أهل مذهب الواقف لا مطلقا فلو وقف إمامي على الفقراء انصرف إلى فقراء الإمامية دون سائر طوائف الإسلام الباطلة وكذا في صورة العكس ولعله مراد الأصحاب وإن كان عبائرهم مطلقة لكن سيأتي من الخلاف ما ربما ينافيه وحيث انصرف إلى المسلمين أو صرح بالوقف عليهم احتيج إلى معرفتهم وبيان المراد منهم ولذا قال [ والمسلمون من صلى إلى القبلة ] والمسلمون من صلى إلى القبلة وفسر في المشهور بمن اعتقد الصلاة إليها وإن لم يصل لا مستحلا خلافا للمفيد فاعتبر فعلية الصلاة إليها بناء منه على أن العمل جزء من الإسلام ولا فرق عندهم بين كون الواقف محقا أو غيره تبعا لعموم اللفظ خلافا للحلي فخصهم بالمؤمنين إذا كان الواقف منهم عملا بشهادة الحال كما لو وقف على الفقراء ويضعف بأن تخصيص عام لا يقتضي تخصيص آخر ومنع شهادة الحال وقيام الفرق بين الفقراء والمسلمين فإن إرادة الوقف على جميع الفقراء على اختلاف آرائهم وتباين مقالاتهم ومعتقداتهم بعيد بخلاف إرادة فرق المسلمين من إطلاقاتهم فإنه أمر راجح شرعا مطلوب عرفا وفي الجميع نظر لمنع أن تخصيص عام لا يقتضي تخصيص آخر بعد اشتراكهما في الوجه المخصص وهو شهادة الحال ومنعها لا وجه له سيما على إطلاقه ودعوى قيام الفرق بما ذكر غير واضحة لجريان ما ذكره في الفقراء من بعد انصراف الوقف من المسلم إلى جميعهم لاختلاف آرائهم في المسلمين أيضا لوجود الاختلاف في الآراء والتباين في المعتقدات فيهم أيضا ودعوى رجحان الوقف على مخالفي الحق من سائر فرق المسلمين شرعا ومطلوبيته عرفا غير نافعة جدا بعد قيام المخصص كما قدمنا مع أن جماعة كالتقي وابن زهرة والفاضل المقداد في التنقيح أفسدوا الوقف من المحق على غيره وقد مر أن ذلك لازم لكل من يشترط القربة في الصحة فما ذكره الحلي لا يخلو عن قوة هذا على تقدير صحة الوقف منه عليه وإلا كما اخترناه سابقا من عدم الصحة تبعا لهؤلاء الجماعة فينبغي القطع بمقالته إذ الإطلاق والعموم ليسا بأبلغ من التصريح ومعه يفسد فكذا معهما كما أن بيان انصراف الفقراء إلى المسلمين خاصة حيث يكون الواقف مسلما إنما هو على تقدير صحة الوقف من المسلم على الكافر مطلقا أو في الجملة وعلى تقدير فساده بالكلية لم يحتج إلى هذا البيان لفساد الوقف فيه بالإضافة إليه من أصله وعلى مذهب الأكثر استثنى جماعة منهم الغلات والخوارج وغيرهما من فرق الإسلام المحكوم بكفرهم شرعا ولا ريب فيه على ما اخترناه ويأتي على غيره احتمال عدم الاستثناء لصدق الاسم عرفا إلا أن يكون هناك شاهد حال على الاستثناء فيستثنى [ والمؤمنون الاثنا عشرية ] والمؤمنون حيث يوقف عليهم الاثنا عشرية القائلون بإمامة الأئمة الاثني عشر سلام اللَّه عليهم وهم الإمامية الآن الذين لا يعتبر في صدق الإمامية عليهم اجتنابهم الكبائر اتفاقا كما حكاه في التنقيح والمسالك والروضة وفيها عن الدروس انسحاب الخلاف الآتي في المؤمنين فيهم وليس كذلك بالإجماع وإشعار أدلة المعتبر للاجتناب منها في الإيمان باختصاص اعتباره فيه دون الإمامي وكيف كان ما اختاره الماتن من اشتراك المؤمن والإمامي في عدم اعتبار الاجتناب عن الكبائر في حقيقتهما مختار الطوسي في التبيان قائلا إنه كذلك عندنا واختاره الديلمي والحلي وعليه كافة المتأخرين وقيل كما عن النهاية والمفيد وضى وابن حمزة هم مجتنبو الكبائر منهم خاصة فلا يشملوا الوقف عليهم الفسقة ومنشأ الاختلاف هو الاختلاف بين النصوص والجمع بينها يقتضي المصير إلى الأول والأولى الرجوع إلى عرف الواقف وشهادة حاله حتى لو كان ممن يذهب إلى الثاني وظهر من قرائن الأحوال إرادته