السيد علي الطباطبائي

17

رياض المسائل ( ط . ق )

خلافا للخلاف والمرتضى والغنية والكيدري والقواعد في الأخيرين فجعلوهما صريحا كالأول للنبوي المتقدم المتضمن لهما وفيه نظر وللتذكرة ففرق في لفظة الصدقة بين إضافتها إلى جهة عامة فصريحة وإلى خاصة فتحتاج إلى قرينة ووجهه غير واضح أما الثلاثة الأول فلا خلاف في عدم صراحتها بل عليه الإجماع في المسالك هذا كله في الحكم عليه بالظاهر وإلا فلو نوى الوقف فيما يفتقر إلى القرينة وقع باطنا ودين بنية لو ادعاه أو ادعى غيره كما صرح به جماعة من غير خلاف بينهم أجده ويظهر من العبارة وعبائر أكثر الجماعة كما في المسالك والروضة ولعله من حيث اكتفائهم بذكر الإيجاب خاصة من دون ذكر القبول والقربة بالكلية عدم اشتراطهما والأصح اشتراطهما وفاقا للتنقيح فيهما وللتذكرة في الأول وللإرشاد والمفيد والقواعد والنهاية والحلي والغنية مدعيا هو كسابقه عليه إجماع الإمامية في الثاني وهو الحجة فيه كإطباقهم على كونه من جملة العقود المدعى في المسالك والمحكي عن التذكرة في الأول بناء على أن لزومه بدونه يخرجه عن قسم العقود ويدرجه في قسم الإيقاع وهو ينافي ما ادعى عليه مما تقدم من الإجماع هذا مضافا إلى مخالفة الوقف للأصل فيقتصر في لزومه على المتيقن وليس إلا القدر المجمع عليه وهو ما تضمن الأمرين وما استدل به في الروضة على عدم اشتراط القربة من عدم قيام دليل صالح على اشتراطها وإن توقف عليها الثواب فضعيف كاستدلاله لمذهب الأكثر من عدم اشتراط القبول بأصالة عدم الاشتراط وأنه إزالة ملك فيكفي فيه الإيجاب كالعتق أما الأول فلما عرفت من مخالفته الأصل ويكفي في عدم صحته مع عدم القربة عدم قيام دليل صالح عليها بدونها فعدم دليل على الاشتراط غير قادح بعد الأصل الدال على الفساد وأصالة عدم الاشتراط لا يعارضه إلا بعد فرض قيام لمقتضى لصحة بعنوان العموم وهو مفقود ومنه يظهر الجواب عن دليله لمذهب الأكثر وأما الجواب عن الثاني فبأن دعوى كفاية الإيجاب بمجرده في إزالة الملك مطلقا ممنوعة كيف لا وهي في المقام أول الكلام وثبوتها في العتق بالدليل لا يوجب ثبوتها هنا إلا بالقياس المحرم عندنا وأما القول بالتفصيل في القبول بين الوقف على من يمكن في حقه كشخص معين أو أشخاص معينين فيشترط لما ذكرناه وبين الوقف على غيره ممن لا يمكن في حقه كالمسلمين فلا يشترط لانتقال الوقف فيه إلى اللَّه سبحانه والقبول فيه غير متصور كما في الشرائع ولك والروضة وتبعهما جماعة فضعيف لما مر وعدم تصور القبول منه سبحانه لا يوجب عدم اشتراط القبول من أصله فقد يكون القابل الناظر أو الحاكم ومنصوبه كما صرح به مشترطة على إطلاقه وبالجملة الموافق للأصول اشتراطهما مطلقا مضافا إلى الإجماع المنقول في الثاني نعم ربما كان الأوفق بالأصل عدم اشتراط القربة إن قلنا باعتبار القبول إذ بعد حصوله يكون عقدا يجب الوفاء به واشتراطها منفي حينئذ بأصالة عدمه إلا أن إجماع الغنية على اشتراطها حجة شرعية لا مسرح عنها ولا مندوحة وتكون ما قدمناه من الأصول له معاضدة شاهدة وإن لم تكن في مقابلة ما دل على لزوم الوفاء بالعقود حجة مستقلة بل هي به مخصصة هذا وفي المعتبرين أحدهما الصحيح والثاني الموثق لا صدقة ولا عتق إلا ما أريد به وجه اللَّه تعالى والمستفاد من تتبع الأخبار الكثيرة إطلاق الصدقة على الوقت كثيرا حتى أنه في كثير من وقوف الأئمة وفاطمة ع لم يذكر فيها لفظ الوقف بل اكتفى بلفظة [ بلفظ الصدقة مقرونة بما يدل على إرادة الوقف منه فيظهر منها غاية الظهور أن إطلاق الصدقة عليه بعنوان الحقيقة المشتركة ولا ينافيه احتياجه في الدلالة عليه إلى القرينة لكونها معينة لا صارفة وبه يفرق بين لفظ الوقف والصدقة لاشتراكها بين لفظ الوقف والصدقة الخاصة دون لفظ الوقف وحيث ظهر أن إطلاق الصدقة على الوقف حقيقة ظهر دخوله في لفظ الصدقة في ذينك الخبرين فيدلان على اشتراطه بالقربة لظهور أقربية نفي الصحة من نفي الكمال بالإضافة إلى نفي الماهية حيث يكون إرادته متعذرا فتأمل هذا ولو سلم مجازية إطلاق الصدقة عليه لكانت النصوص المزبورة دالة أيضا على اشتراط نية القربة بناء على أن الاستعارة والتشبيه يقتضيان الشركة في الأحكام إما جملة أو المتبادر منها خاصة ولا ريب أن اشتراط القربة في صحة الصدقة من أظهر أحكامها وربما يؤيده تأييدا في الجملة اتباع الأئمة وقوفاتهم المأثورة بقولهم ابتغاء وجه اللَّه سبحانه وبالجملة لا ريب في اشتراط القربة ولا شبهة واعلم أنه لا يعتبر قبول البطن الثاني ولا رضاه بلا خلاف أجده وبه صرح جماعة لتمامية الوقف قبله فلا ينقطع ولأن قبوله لا يتصل بالإيجاب فلو اعتبر لم يقع له [ ويعتبر فيه القبض ] ويعتبر فيه أي في صحته بعد تمام صيغته القبض من الموقوف عليه أو من في حكمه بمعنى أن الانتقال مشروط به وقبله يكون العقد صحيحا في نفسه لكنه ليس بناقل فيجوز للواقف الفسخ قبله بلا خلاف كما في المسالك وغيره بل عليه الإجماع فيه وفي التنقيح والغنية وهو الحجة كالأصل والمعتبرة المستفيضة منها الصحيح الذي روته المشايخ الثلاثة عن الرجل يقف [ يوقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا فقال إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع فيها فإن كانوا صغارا وقد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها وإن كانوا كبارا ولم يسلمها إليهم ولم يخاصموا حتى يجوزوها عنه فله أن يرجع فيها لأنهم لا يجوزونها وقد بلغوا والصحيح في الرجل يتصدق على ولد له وقد أدركوا فقال إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث وإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن والده هو الذي يلي أمره وقال لا يرجع في الصدقة إذا ابتغى بها وجه اللَّه عز وجل ونحوه غيره من المعتبرة وفي المسالك أن الأصحاب فهموا من الصدقة فيها الوقف ولذا استدلوا بها على بطلانه بموت الواقف وفيها حينئذ بشهادة السياق دلالة على ما مر من اشتراط القربة في الصحة لمفهوم قوله لا يرجع إذا ابتغى وهو الرجوع مع عدم الشرط وهو صريح في الاشتراط إذ لولاه لما ساغ الرجوع مطلقا ومنها المروي في إكمال الدين للصدوق بسنده إلى محمد بن جعفر الأسدي فيما ورد عليه عن مولانا صاحب الزمان ع قال وأما ما سألت من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه فكلما لم يسلم فصاحبه بالخيار وكلما سلم فلا خيار لصاحبه احتاج إليه أو لم يحتج افتقر إليه أو استغنى إلى أن قال وأما ما سألت عن أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعته ويسلمها من قيم يقوم بها ويعمرها ويؤدي من دخلها خراجها ومئونتها ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها