السيد علي الطباطبائي
173
رياض المسائل ( ط . ق )
التسليم فلا معنى لطلبه فتأمل ويشهد له أيضا لفظ الإجزاء في الصحيحة الثانية وصرفه عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الفضيلة بقرينة صدر الرواية ليس بأولى من صرف الصدر عن ظاهره إلى ظاهر الإجزاء بحمل الشهادتين فيه على ما يشمل السلام فإن إطلاق التشهد على ما يشمله شائع ووارد في الأخبار مع أنه لا بد منه بالإضافة إلى الصلاة على النبي وآله وعلى هذا فهذه الروايات بالدلالة على الوجوب أولى هذا مع أن الصحيحة الثالثة نسخها مختلفة ففي موضع من التهذيب كما ذكر وفي آخر منه وفي النهاية بدل يتشهد يسلم ويعضد هذه النسخة مضافا إلى التعدد وأضبطية الفقيه الموافقة لصحيحين آخرين مرويين فيهما عن رجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهد قال يسلم ويمضي لحاجته إن أحب هذا مع أوفقيتها بالسؤال في صدر الصحيحة فتدبره تجده بخلاف وعلى الصحيحة الرابعة أن الذي يقتضيه التدبر فيها أن المقام فيها ليس مقام ذكر واجبات الصلاة ولذا لم يذكر منها سوى قليل منها بل المقام فيها مقام بيان بعض ما يستحب فيها ولذا ذكر فيه الجحد والتوحيد مع أن عدم ذكر التسليم فيها كما ينفي وجوبه كذا ينفي استحبابه والخصم لا يقول به ولئن تنزلنا عن جميع ذلك نقول إنها معارضة بالنصوص المستفيضة القريبة من التواتر بل المتواترة الآمرة بالتسليم وهي بالنسبة إليها أوضح دلالة وإن ضعف دلالتها في نفسها من حيث استعمال الأمر في الندب كثيرا لكن غايته دفع الصراحة النفسية لا الصراحية والظهور بالإضافة هذا وقد استدل لهذا القول بوجوه أخر هي مع الجواب عنها وتمام الكلام في المسألة في الشرح مذكورة وصورته أي صورة التسليم على تقدير وجوبه أو استحبابه السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين أو السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما الأولى فلدلالة المعتبرة المستفيضة عليها منها الصحيح إن قلت السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين فقد انصرفت وفي معناه البواقي بل في الموثق إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي ص وتقول السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم وتقول وأنت مستقبل القبلة السلام عليكم وكذلك إذا كنت وحدك تقول السلم علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين مثل ما سلمت وأنت إمام وإذا كنت أنت في جماعة فقل مثل ما قلت وسلم على من على يمينك وشمالك الحديث ونحوه غيره وهذه الأخبار وإن لم تصرح بتأدي الواجب من التسليم بها لأن غايتها التصريح بالخروج بها من الصلاة وهو أعم من ذلك لكنها تستلزم ذلك لأن بالخروج بها يتحقق التحليل الذي لأجله وجب التسليم بمقتضى الرواية المشهورة وما في معناه من الأخبار المستفيضة ولا سيما ما تضمن منها التعليل وجوبه به كالمروي في العلل عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة قال لأنه تحليل الصلاة إلى أن قال فلم صار تحليل الصلاة التسليم قال لأنه تحية الملكين وأما ما يقال من عدم حصول التحليل بها وأن غايتها الخروج من الصلاة وهو أعم من ذلك فكلام شعري لا يلتفت إليه ويرده صريحا المروي في الخصال عن أبي عبد اللَّه ع قال لا يقال في التشهد الأول السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين لأن تحليل الصلاة هو التسليم فإذا قلت هذا فقد سلمت وصرف التحليل فيه عن معناه المعروف إلى أنه عبارة عن انقطاع الصلاة والخروج منها لا وجه له ومن هذه الأخبار يستفاد عموم التسليم في الرواية المشهورة لمثل هذه الصيغة الثانية بل ظاهر الموثقة ونحوها انحصاره فيها إلا أنه لما انعقد الإجماع على إجزاء الصيغة الثانية وتحقق الخروج بها كما حكاه جماعة لزم رفع اليد عن الحصر فيهما بتأويله إلى ما يجامعه مع قوة احتمال عدم الاعتبار بمفهومه ولا في معناه لورودهما مورد الغالب المعروف المعهود الشرعي من وقوع السلام علينا إلى آخره بعد الشهادتين كما هو المعمول عليه الآن وبعموم الرواية المشهورة في نفسها استدل الماتن فيما حكي عنه على التخيير بين الصيغتين لصدق التسليم بكل منهما وهو حسن وما قيل في تضعيفه من أن التعريف للعهد والمعروف منه بين العامة والخاصة السلام عليكم كما يعلم من تتبع الأحاديث حيث يذكر فيها ألفاظ السلم المستحبة والسلام علينا ثم يقال وسلم فحسن لولا تلك الأخبار المستفيضة المصرحة بحصول الانصراف والتحليل الواجب بالسلام علينا فكما يعلم من الأخبار التي ذكرها معهودية الصيغة الثانية فكذا يعلم من المستفيضة عموم التسليم الواجب للأولى أيضا فإن بها يتأدى التحليل الواجب في الصلاة الذي لأجله وجب التسليم وبما ذكرناه ظهر ضعف القول بتعين الثانية للخروج وأنها هي الواجبة كما عن الأكثر بل في الدروس أنه عليه الموجبون وفي البيان لم يوجب الأولى أحد من القدماء وأن القائل بوجوب التسليم يجعلها مستحبة كالتسليم على الأنبياء والملائكة غير مخرجة من الصلاة والقائل بندب التسليم يجعلها مخرجة وفيه نظر بل ظاهر المحكي عن الشيخ في التهذيب حصول الخروج بالأولى وأنه متفق عليه بيننا مع أنه قد قال بذلك مخيرا بينها وبين الثانية كما في كتب الماتن والمنتهى والإرشاد والقواعد والروض [ روض الجنان والروضة وفي المهذب وإن كانت دعوى الشهرة عليه وفي الدروس والرسالة الألفية واللمعة الدمشقية التي هي آخر مصنفاته وقواه في الذكرى أيضا وإن قال إنه لا قائل به من القدماء وكيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا وقال بتعين الأولى للخروج ووجوبها يحيى بن سعيد في الجامع لكنه ضعيف لما عرفت من الإجماعات على الخروج بالثانية وتأدي الواجب بها وفي الذكرى أنه خروج عن الإجماع من حيث لا يشعر قائله أقول ولولاه لأمكن القول بما قاله لظواهر ما مر من المستفيضة لكن معه لا يمكن القول به كما لا يمكن القول بتعين الأولى للخروج ووجوب الثانية كما عليه جماعة لما عرفت من أن بعد الخروج بها يتأدى التحليل الذي لأجله وجب التسليم وأما الأخبار الآمرة بالثانية بعد الأولى فمحمولة على الاستحباب جدا لعدم قائل بوجوبهما معا ولذا قال الماتن وبأيهما بدأ كان الثاني مستحبا وهو حسن إلا أن ظاهره استحباب الأولى لو أتى بالثانية قبلها ولم يستفد هذا من الأدلة التي ذكرناها ومع ذلك مخالفة للترتيب المعروف شرعا ولذا أنكره الشهيد رحمه اللَّه فقال إنه قول مستحدث في زمان المحقق ومن قبله بزمان يسير هذا والأحوط الجمع بينهما مع تأخير الثانية عن الأولى لجوازه بل استحبابه اتفاقا كما حكاه بعض أصحابنا وأحوط منه عدم ترك التسليم على النبي ص لمصير صاحب الفاخر إلى وجوبه ومال إليه الفاضل المقداد في كنز العرفان ويعضده الآية والموثقة السابقة وما بعدها المتضمنان للحصر السابق وإن كان في الاستدلال بهما على ذلك نظر لاحتمال التسليم في الأول الانقياد وغيره مما لا يتم معه الاستدلال ومنافاة الحصر في الثاني للإجماع كما مر مضافا إلى دعوى الفاضل الإجماع على استحباب هذا التسليم وجعل الشهيد القول بوجوبه غير معدود من المذهب مشعرا بل مؤذنا بمخالفته الإجماع بل الضرورة واعلم أنه قد اختلف الأصحاب في التعبير عن الصيغة