السيد علي الطباطبائي

139

رياض المسائل ( ط . ق )

ومع ذلك معتضدة بأصالة البراءة والإطلاقات بل استدل بهما أيضا جل الطائفة ولا ريب أنها أرجح بالإضافة إلى الأدلة السابقة مع قصور أكثر أخبارها سندا ودلالة وقبولها الحمل على الكراهة دون هذه الأدلة إذ لا تقبل أكثرها الحمل على شيء يجمع به بينها وبين تلك مع مراعاة عدم القائل بالفرق بين الطائفة الظاهر المصرح به في كلام جماعة كما عرفته فالعمل بتلك يوجب ترك هذه بالمرة ولا كذلك العكس لقبولها الحمل على الكراهة دون هذه نعم يبقى الكلام في دعوى الإجماع على المنع فإن تأويلها إلى الكراهة في غاية البعد لنص الشيخ الناقل له ببطلان الصلاة حيث منع عنها وهو لا يجتمع مع الكراهة لكن إطراحها أولى من إطراح هذه الأدلة القوية بما عرفته مضافا إلى الصحيحين المعبرين عن المنع بلا ينبغي كما في أحدهما مع الاكتفاء في رفعه فيه بشبر على إحدى النسختين والاحتمالين وبيكره كما في الثاني المروي في العلل ودلالتهما على كل من التحريم والكراهة وإن كان غير ظاهر ظهورا معتدا به إلا أن الإشعار فيهما بالكراهة حاصل سيما في الأول مضافا إلى ضم باقي الأخبار إليهما فالقول بالجواز أقوى وإن كان التجنب أحوط بلا شبهة ويتفرع على القول بالحرمة فروعات جليلة لا فائدة لنا في ذكرها مهمة بعد اختيارنا الكراهة ولو كان بينهما حائل من نحو ستر دون ظلمة وفقد بصر على الأظهر أو تباعد عشرة أذرع فصاعدا بين موقفيهما كما هو المتبادر أو كانت متأخرة عنه ولو بمسقط الجسد بحيث لا يحاذي جزء منها جزء منه ارتفع المنع وصحت صلاتهما إجماعا كما في المعتبر والمنتهى وغيرهما وللمعتبرة المستفيضة المتقدم إلى بعضها الإشارة بل ظاهر جملة من الصحاح المتقدمة انتفاء المنع مطلقا بالذراع والشبر ونحوهما كما عن الجامع وهو ظاهر الفاضلين في المعتبر والمنتهى لكن في صورة تأخرها لا مطلقا كما احتمله الشيخ في كتابي الحديث وبه قال في الذخيرة أيضا ولا بأس به لولا الموثقة السابقة الظاهرة في بقاء المنع في صورة التأخر إلى أن تتأخر عنه بحيث لا يحاذي جزء منها جزء منه والأخبار الصحيحة وإن ترجحت عليها من وجوه عديدة ولكن الأخذ بها أولى في مقام الكراهة بناء على المسامحة في أدلتها مع اشتهار العمل بها أيضا فلتحمل الصحاح على خفة الكراهة لا انتفائها وعليه تحمل الموثقة وهل يعتبر في الحائل كونه ستيرا بحيث لا يرى أحدهما الآخر مطلقا كما هو المتبادر من النص والفتوى أم يكفي مطلقا ولو لم يكن ستيرا كما في الصحيح عن الرجل يصلي في مسجد حيطانه كوى كله قبلته وجانباه وامرأته تصلي حياله يراها ولا تراه وقال لا بأس وجهان والأول أنسب مقام الكراهة ويرتفع المنع أيضا مطلقا مع الضرورة كما صرح به جماعة اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن من النص والفتوى لاختصاصهما بحكم التبادر وغيره بحال الاختيار مضافا إلى فحوى ما دل على جواز الصلاة في المغصوب مع الضرورة وفي الصحيح المروي في العلل إنما سميت مكة بكة لأنها يبتك بها الرجال والنساء والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك وإنما يكره في سائر البلدان وعليه فلو كان كل منهما في مكان لا يمكن فيه التباعد ولا الحائل ولا يقدران على غيره وضاق الوقت ارتفع المنع مطلقا ومع عدم الضيق صلى الرجل أولا ثم المرأة استحبابا للأمر به في بعض الصحاح المتقدمة المحمول عليه عندنا قطعا وكذا عند جملة من القائلين بالمنع إذ هو لا يقتضي تعين تقدم الرجل بل تقدم أحدهما كما في ظاهر الموثق كالصحيح أصلي والمرأة إلى جنبي تصلي فقال لا إلا أن تتقدم هي أو أنت خلافا للمحكي عن الشيخ فعين تقديم الرجل ولعله لظاهر الأمر في الصحيح وعدم وضوح الصحيح الآخر في إرادة التقديم الفعلي لاحتماله المكان بل فهمه منه صاحبا المدارك والذخيرة فاستدلا به على جواز تقديم المرأة مكانا من غير حرمة ولكنه بعيد لظهور الاحتمال الأول للإجماع على ثبوت المنع ولو كراهة في تقديم المرأة مكانا بعد توافقهما فعلا فهو أقوى قرينة على تعين الاحتمال الأول فيصرف به الأمر في الصحيح الأول عن ظاهره إلى الاستحباب ثم إن هذا إذا لم يختص المكان بها عينا أو منفعة بل تساويا فيه ملكا أو إباحة وإن اختصت به دونه فلا أولوية للرجل في تقديمه إلا أن تأذن له فيه وهل الأولى أن تؤذن لها في ذلك أم لا كل محتمل وبالأول صرح جمع ولا بأس به ولا يشترط طهارة موضع الصلاة إذا لم تتعد نجاسته إلى المصلي أو محمولة الذي يشترط طهارته على وجه يمنع من الصلاة ولا طهارة مواقع المساجد السبعة عدا موقع الجبهة فيعتبر طهارة القدر المعتبر منه في السجود مطلقا إجماعا فيه كما يأتي وعدم اعتبار الطهارة فيما عداه مطلقا مشهور بين الأصحاب على الظاهر المصرح به في كلام جماعة بل لا يكاد يعرف فيه خلاف إلا من المرتضى والحلبي فاعتبرا طهارة مكان المصلي مطلقا وإن اختلفا في تفسيره بالمساجد السبعة خاصة كما عليه الثاني أو مطلق مكان المصلي كما عليه المرتضى ولا حجة لهما يعتد بها عدا ما يستدل لهما من الموثقين المانع أحدهما عن الصلاة على الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس وثانيهما عن الصلاة على الشاذكونة التي يصيبها الاحتلام ومن قوله تعالى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ولا هجر إذا صلى عليه ووجوب تجنب النجاسة وأنها هو لكونها مواضع الصلاة والنهي عنها في المزابل والحمامات وهي مواطن النجاسة وفي الجميع نظر لضعف الخبرين بمعارضتهما بالمعتبرة المستفيضة المجوزة للصلاة في كل من الموضعين الممنوع عن الصلاة عليهما في الخبرين ففي الصحيح عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلي فيهما إذا جفا قال نعم ونحوه غيره من الصحيح وغيره وهو كثير وفي الصحيح عن الشاذكونة عليها الجناية أيصلى عليها في المحمل فقال لا بأس ونحوه الخبر بدون قوله في المحمل وهي مع كثرتها وصحة جملة منها واستفاضتها واعتضادها بالأصل والإطلاقات والشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا بل هي إجماع ظاهرا تترجح على الخبرين فليطرحا أو يحملا على الكراهة أو النجاسة المتعدية أو موضع الجبهة خاصة وعلى أحد هذه يحمل النهي في الرواية الأخيرة على تقدير تسليمها مع أن النهي فيها بالإضافة إلى الحمام للكراهة فليحمل بالإضافة إلى الباقي عليها جمعا بين الأدلة ولا دليل على أن المراد بالرجز النجاسة فلعل المراد به العذاب والغضب ودعوى كون وجوب تجنب المساجد لكونها مواضع الصلاة ممنوعة مع احتمال المساجد في إخباره مواضع السجود وأن العلة صلاحيتها للسجود على أي موضع أريد منها ثم إن كل ذا إذا صلى على نفس الموضع النجس من غير أن يستره بطاهر يصلي عليه وإلا صحت صلاته قولا واحدا وعليه نبه في الذكرى وفي التحرير الإجماع عليه وهو الحجة مضافة إلى النصوص الكثيرة الناطقة بجواز اتخاذ الحش مسجدا إذا ألقي عليه من التراب ما يواريه ففي الصحيح عن