السيد محمدمهدي بحر العلوم
41
مصابيح الأحكام
استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه » . قيل له : يا ابن رسول اللَّه ، فما معرفة اللَّه ؟ قال : « معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته » « 1 » . وفي الحديث فوائد كثيرة لمن نظر فيه بعين البصيرة وتناوله بيد غير قصيرة . وفيه تنبيه على الجمع بين قوله تعالى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 2 » وقوله سبحانه : « كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف ، فخلقت الخلق لكي أُعرف » « 3 » ، والجمع بينهما وبين قوله - عزّ وجلّ من قائل - : « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » « 4 » ؛ فإنّ العبادة متوسّطة بين المعرفة والرحمة ، وهي مسبّبة عن الأُولى ، وسبب للأُخرى ، وإلى الأوّل يشير قوله : « فإذا عرفوه عبدوه » « 5 » وإلى الثاني قوله : « فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه » ، فجاز أن يكون كلٌّ من الثلاث هو الغاية للخلق ، من دون تناقض في الحصر . ولمّا كانت الثالثة هي المطلوبة للناس كانت كالناسخة لغيرها . وهو المراد بالنسخ الوارد هنا ، لا النسخ الحقيقي ، فإنّه إنّما يكون في الشرائع دون الحقائق * .
--> ( 1 ) . علل الشرائع : 9 ، الباب 9 ، الحديث 1 ، بتفاوت يسير ، بحار الأنوار 5 : 312 ، كتاب العدل والمعاد ، باب علّة خلق العباد و . . . ، الحديث 1 ، و 23 : 83 ، كتاب الإمامة ، باب وجوب معرفة الإمام ، الحديث 22 و 40 . ( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 . ( 3 ) . حديث قدسي معروف في ألسنة المتصوّفة ، ورد في كثير من الكتب العرفانيّة ، منها : الفتوحات المكيّة 2 : 112 و 232 ، وجامع الأسرار : 102 ، ولكن لم نجده في المجاميع الروائيّة للشيعة وأهل السنّة . ( 4 ) . هود ( 11 ) : 118 - 119 . ( 5 ) . في جميع النسخ : « فإذا عبدوه عرفوه » والصحيح ما أثبتناه . ( 6 ) . كذا في النسخ ، والظاهر أنّ الصحيح : أن يعرفوه .