السيد نعمة الله الجزائري

361

كشف الأسرار في شرح الاستبصار

خوفه من اللّه وتقواه ان لازم ما قدّمناه ، من علمه ، ومعرفته ، وزلفاه ، خوفه من اللّه تعالى وتقواه كما قال اللّه : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » . فمن أجل ذلك كان يتحاشى عن المكروهات فضلا عن المحرّمات ، ويتردّد في المباحات فكيف المبغوضات ، لم يترك في أفعاله جانب الاحتياط ، الذي هو سبيل النجاة ودليل الصراط . ومن ورعه وتقواه ، أنه حصّل في جملة ما حصّله من العلوم المختلفة ، علم الطب أيضا ، حيث أخذه من مهرة الفن ، وصرف فيه برهة من الزمن ، حتى بلغ فيه إلى مقام راق ، وانتشر صيته في الآفاق ، وعالج من المرضى من كان آيسا ، ولم يأخذ منهم مالا ، غنيا كان أو بائسا ، بل ألّف فيه الكتاب « 1 » وعلّق على « شرح الأسباب » لكنّه لمّا رأى حديثا صادقا : « انّ الطبيب ضامن ولو كان حاذقا » ارتعدت فرائصه ، وظهرت له نقائصه ، فترك به العمل ، بدون ضرب الأجل . وانه لربما كان يبكي ، لما يرى في الناس ما فيه التجري على المعاصي كما كتب في أحواله : أنه كان جالسا في مجلس درسه يوما ، إذ دخل عليه رجل وأظهر أنه يريد ان يقول له كلاما في الخلوة ، فلما أعطاه المجال ، فقال : « ان محاكمة امرأة فلانية في محكمتكم ، وانها أرسلت لكم عشرين ألف روبية لكي تراعي حالها ، فاقبل مالها » فبكى ( المفتي ) بكاء عاليا ، فتحيّر الرجل من بكائه ، وسأله عن سببه ، فقال : « أيها الرجل ! انك طلبت مني الخلاء ، فلأي شيء بحت السرّ في الجلاء ؟ » فارتبك الرجل من هذا السؤال ، ونظر إلى اليمين والشمال ، ثم قال : « سيدي ! لم أر هاهنا أحدا » . قال : « انك لا ترى لكنني أرى ، وهم الكاتبان على كتفيك ، والكاتبان على

--> ( 1 ) وهو « تحفة الطب » وسيأتي ذكره .