السيد نعمة الله الجزائري
340
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
قال صاحب « نجوم السماء » ما هذا لفظه معرّبا : « الذي بلغني من حالاته ( أي المفتى عباس ) في طفوليته أنه كان سريع الفهم ، لقنا جيدا ، لم يمل إلى اللهو واللعب مثل سائر الأطفال ، بل كان متنفرا عنه وعن إضاعة الأوقات ، وإذا لعب مع أترابه كان لعبه قياما وقعودا ، ثم يسجد قائلا : « أريد أن أرى أيّنا أكثر سجودا » « 1 » . ولربما كان يصعد السطح وقت نصف النهار ، ويضع جبهته على الرمضاء كالنّار ويكرّر كلمة : « يا اللّه » يصل عددها أحيانا إلى الف ، فلم يرفع الرأس حتى تنقطع الأنفاس ، ويبتلّ التراب فيتحوّل طينا مما تقاطر عليه من عرقه ودموعه « 2 » وانه كان يقرأ القرآن مرّة ويعلم على حاشيته بحرف ( ف ) بحبر أحمر فقال قائل : ما هذا ؟ هل المراد منه « الفائدة » ؟ قال : لا ، هذا فاء فضائل أهل البيت عليهم السّلام ، انى أريد أن أكتب كتابا فيها ، هذا كلامه في الصغر ، وما انصرمت أيام الا أثبته في الكبر ، لأنه ألّف الكتاب ( روائح القرآن في فضائل أمناء الرحمن ) « 3 » الذي سنذكره إن شاء اللّه المستعان . لطيفة حكي أنه غاب مرّة في طفوليته ، فكلما فتّشوه قلّما وجدوه حتى اكتشفوه داخل ستار المكان الذي هيئ لإقامة الأعلام في تعزية الحسين عليه السّلام ، وكان هناك قرآن قديم خطّي ، فوجدوه مكبّا . على ذلك القرآن الكريم ، يلحس صفحاته بلسانه ، كأنما كتب بحبر من سكّر لا من مداد ، وقد انمحت حروفه التي كتبت بالسواد ، فقالوا له : ما ذا تفعل يا بني ؟ فأجاب : مهلا ، انه لم يبق إلا صفيحات ، أريد أن أنقل كل القرآن إلى صدري . نشؤه وتحصيلاته نشأ المفتي كما علمت في بيت من العلم والاجتهاد ، وبيئة من الخير
--> ( 1 ) نجوم السماء ( ج 2 / 68 ) ( 2 ) المصدر ( 3 ) المصدر