الفيض الكاشاني

8

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

حتّى آخر لحظات حياته حين أمر بدواة وقلم ليكتب ما لن يضلّ الناس بعده ، إذ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ادعوا لي الصحيفة والدواة أكتب كتابا لن تضلّوا بعده أبدا » « 1 » . وهذا في الحقيقة إذن عام لكتابة الحديث . فيتّضح من النماذج التي ذكرنا أنّ تدوين الحديث كان متداولا في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . * منع تدوين الحديث كذلك يستنتج من بعض الروايات أنّ الهمس بمنع كتابة الأحاديث تصاعد في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيضا ، فكان بعض الصحابة يمنع آخرين من كتابة الحديث ، كما كانت قريش تمنع عبد اللّه بن عمر من تدوين أقوال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ولعلّ أبرز مثال لمنع كتابة أحاديث النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو ما حدث عند وفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جانب عمر بن الخطاب الذي منع جلب القلم والدواة للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » . أمّا أوّل من منع كتابة الحديث ونقله ونهى عنهما بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهو أبو بكر الذي قام بحرق خمسمائة حديث سمعها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمر الآخرين بأن يفعلوا مثل ذلك « 3 » . بيد أنّ تدوين الحديث وكتابته استمرّا رغم كلّ هذا المنع والمحاولات بل وحتّى في زمن عمر بن الخطاب الذي أصرّ على حرق كتب الحديث وقام بسجن بعض رواة الحديث من أمثال ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري لنقلهم الأحاديث « 4 » . لكن ذلك لم يمنع الرواة والمحدّثين وصحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم العظام فواصلوا نقل الحديث لأنّهم كانوا يعتبرون منع تدوين الحديث من قبل أبي بكر وعمر وجماعة من الصحابة اجتهادا مقابل النصّ الصريح للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وكانوا يرون الروايات التي تذرّع بها أبو بكر وعمر لمنع تدوين الحديث روايات ضعيفة ومردودة لأنّها كانت من إسرائيليات كعب الأحبار اليهودي وتميم الداري وأبي

--> ( 1 ) . صحيح البخاري 4 : 7 ، كنز العمال 3 : 138 ، و 4 : 52 . ( 2 ) . مسند أحمد بن حنبل 2 : 162 ، مستدرك الحاكم 1 : 105 . ( 3 ) . كنز العمال 1 : 174 . ( 4 ) . تذكرة الحفّاظ 1 : 7 .