الفيض الكاشاني
38
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
ذلك النّور ، فلذلك سمّيت شيعة ، فإذا كان يوم القيامة التحقت السّفلى بالعليا » « 1 » وإنّما سمّي الخلق الأوّل عقلا لأنّه به يعقل كلّ شيء ويعلم ، ونورا لأنّه به يبصر كلّ شيء ، وروحا لأنّه به حياة كلّ شيء . « استنطقه » جعله ذا نطق وكلام يليق بذلك المقام ليصير أهلا للخطاب ، أو طلب منه النطق بأن قال له : « تكلّم » كما ورد في رواية أخرى . « أقبل » أي إلى الدنيا ، واهبط إلى الأرض رحمة للعالمين « فأقبل » فنزل إلى هذا العالم ، فأفاض النّفوس الفلكيّة بإذن ربّه ثم الطّبائع ، ثم الصّور ، ثم الموادّ ، فظهر في حقيقة كلّ منها وفعل فعلها ، فصار كثرة وأعدادا ، وتكثّر أشخاصا وأفرادا . « ثم قال له أدبر » ارجع إلى ربّك « فأدبر » فأجاب داعي ربّه ، وتوجّه إلى جناب قدسه بأن صار جسما مصوّرا من ماء عذب وأرض طيّبة ، ثم نبت نباتا حسنا ، ثمّ صار حيوانا ذا عقل هيولائي ، ثمّ صار عقلا بالملكة ، ثمّ عقلا مستفادا ، ثمّ عقلا بالفعل ، ثمّ فارق الدّنيا ولحق بالرّفيق الأعلى . وكذلك فعل كلّ من تبعه وشيّعه من الأرواح المتشعبة منه المقتبسة من نوره أو المنبجسة « 2 » من شعاعه ، ويلحق به الجميع ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى اللّه . فإقباله عبارة عن توجّهه إلى هذا العالم الجسماني ، وإلقائه عليه من شعاع نوره وإظهاره الأعيان فيه ، وإفاضته الشّعور والإدراك والعلم والنطق على كلّ منها بقدر استعداده له ، وقبوله منه من غير أن يفارق معدنه ويخلّي مرتبته ومقامه في القرب ، بل يرشح بفضل وجوده الفائض من اللّه عزّ وجلّ على وجود ما دونه . وإدباره عبارة عن رجوعه إلى جناب الحقّ ، وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذّاته بالعبوديّة الذّاتيّة شيئا فشيئا من أرض المادّة إلى سماء العقل حتى يصل إلى اللّه تعالى ، ويستقرّ إلى مقام الأمن والراحة ، ويبعث إلى المقام المحمود الّذي يغبطه به الأوّلون والآخرون . فإقباله في جميع المراتب إيجابي تكويني لا يحتمل العصيان ، وأمريّ دفعي لا يدخل تحت الزّمان ، ولا يتطرّق إلى السّابق عند وجود اللّاحق بطلان ولا نقصان ، وإدباره في الأواخر تكليفي تشريعي ، وكلّه خلقي تدريجي مقيّد بالزمان ، يبطل السّابق عند وجود اللّاحق شخصا وجسما لا حقيقة وروحا ، وكلّ مرتبة منهما عين نظيرتها من الاخر حقيقة وغيرها شخصا .
--> ( 1 ) . رياض الجنان لفضل اللّه بن محمود الفارسي - عنه البحار 25 : 21 / 32 . ( 2 ) . الانبجاس : النّبوع في العين خاصة أو عامّ .