الفيض الكاشاني

39

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

ومثل نور العقل في عالم الغيب مثل نور الشمس في عالم الشهادة ، فكما أنّ عين البصر تدرك بنور الشمس المحسوسات في هذا العالم ، ولو لاه لما أبصرت شيئا ، فكذلك عين البصيرة تدرك بنور العقل المعقولات في ذلك العالم ، ولولاه لما أبصرت شيئا ، وكما أنّ من عمي بصره لا يبصر بنور الشمس شيئا ، فكذلك من عميت بصيرته لا يبصر بنور العقل شيئا . ثم إنّ هذه الأنوار الشعاعيّة المنبجسة من ضياء العقل والنور المحمّدي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منها ما هو غريزيّ للإنسان ، به يتهيّأ لإدراك العلوم النظرية ، وتدبير الصناعات الخفيّة ، فيخرجها من القوة إلى الفعل شيئا فشيئا ، وبها يفارق سائر الحيوانات ، ومنها ما هو مكتسب له ، به يميّز بين النافع له في المال والضارّ به فيه ، فيقدم على النافع ويجتنب الضارّ ، ويختار الاجل الباقي على العاجل الفاني في النفع وبالعكس في الضرر ، وهو ثمرة الأول والغاية القصوى له ، وتؤيّده الملائكة وتلهمه وتهديه . وإلى كلا العقلين أشير فيما ينسب إلى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنّه قال : رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع ولكلّ منهما درجات ومراتب : فكامل وأكمل وناقص وأنقص . « إيّاك آمر » إمّا على حقيقته ، أو هو بمعنى بل ولأجلك ، إذ العقل هو المكلّف أو هو ملاك التكليف . « وإياك أعاقب » يعني عند انغمارك في التعلّقات الجسمانية ، واستغراقك في الشهوات الدنيوية ، وإلّا فالجوهر العقلي من جهة ذاته بذاته سعيد في الدنيا والآخرة لا ذنب له ولا معصية ، وإنّما يعتريه شيء من ذلك لأجل صحبة البدن ومخالطة الوهم والخيال ، والنزول في منزل الأرذال . هذا ما عندي في شرح هذا الحديث ، وإنّما اقتبسته من مشكاة أنوار أئمتنا عليهم السّلام وإفاضة أشعّة أضوائهم ، فإنّ عطاياهم لا تحملها إلّا مطاياهم ، وسيأتي في كلماتهم عليهم السّلام ما يؤكّده ويحقّقه إن شاء اللّه تعالى . وزاد في « محاسن البرقي » في آخر الحديث : « فأعطى محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تسعة