الفيض الكاشاني
368
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
بلّغناهم ، واشمأزّوا من ذلك ونفرت قلوبهم ، وردّوه علينا ، ولم يحتملوه وكذّبوا به ، وقالوا : ساحر كذّاب ، فطبع اللّه على قلوبهم وأنساهم ذلك ، ثم أطلق اللّه تعالى لسانهم ببعض الحق ، فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة ، ليكون ذلك رفعا عن أوليائه وأهل طاعته ، ولولا ذلك ما عبد اللّه في أرضه ، فأمرنا بالكفّ عنهم والسرّ والكتمان ، فاكتموا عمّن أمر اللّه بالكفّ عنه ، واستروا عمّن أمر اللّه بالستر والكتمان عنه » . ثم رفع يده وبكى ، وقال : « اللهم إنّ هؤلاء لشر ذمة قليلون ، فاجعل محيانا محياهم ، ومماتنا مماتهم ، ولا تسلّط عليهم عدوّا لك فتفجعنا بهم ، فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبدا في أرضك ، وصلى اللّه على محمّد وآله وسلّم تسليما » « 1 » . * بيان « ان نبلّغهم كما بلّغناهم » يعني كما بلّغنا الأولين ، وفي الكلام حذف ، يعني فبلّغناهم فما قبلوه واشمأزّوا وردّوه علينا ، ولو كانوا ردّوه إليهم لكان خيرا لهم ، ولكنّهم لسوء طينتهم ردّوه عليهم وكذّبوا به « وأنساهم ذلك » نبّه بذلك على أنّهم لو كانوا ذاكرين لما سمعوه منهم عليهم السّلام لما نطقوا به أبدا لفرط عنادهم لهم عليهم السّلام وبغضهم إيّاهم ، ولكنّهم لمّا أنساهم اللّه ذلك نطقوا ببعضه عن طريق آخر بإنطاق اللّه إيّاهم له ، وإطلاقه لسانهم به لحكمة له سبحانه في ذلك ، وهو الدفع عن أوليائه ، فإنّهم إذا كانوا شركاء لهم في النطق به ، فلا يسعهم الأذى لهم بسببه ، فقوله : « ليكون ذلك » أي ليكون نطقهم ببعض الحق لا إنكارهم بقلوبهم ، فإنّها جملة معترضة ، وإنّما كانت قلوبهم منكرة لأهل هذا العلم والسرّ بأعيانهم حسدا منهم عليهم وعداوة لهم ، وليست منكرة للعلم نفسه ، ولهذا ينطقون ببعضه ، وهذا مثل طائفة من أهل الخلاف الناطقين ببعض الأسرار الإلهية المنكرين لفضل أهل البيت ، الجاهلين لعلوّهم ورتبتهم ، وربّما يوجد فيهم من يظنّ بنفسه أنّه خير منهم وأعلم وأكمل ، فأمرونا عليهم السّلام بالكفّ عنهم وستر أمرنا وأمرهم « إنّ هؤلاء » إشارة إلى العارفين بهذا العلم والسرّ كما هو حقّه .
--> ( 1 ) . الكافي 1 : 402 / 5 .