الفيض الكاشاني

233

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

نرتضه لتضمّنه أكثر ما يترتّب على الجبر من المفاسد في بادئ النظر وعند النظر القاصر ، إلّا أنّه يخرج عقول الخواصّ من بعض أسباب الحيرة ، ولهذا مال إليه فحول العلماء ، ولنذكر في بيانه ما ذكره بعض المحقّقين موافقا لما حقّقه المحقّق الطوسي نصير الملّة والدّين قدّس سرّه في بعض رسائله المعمول في ذلك . قال : قد ثبت أنّ ما يوجد في هذا العالم فقد قدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده ، وقد ثبت أنّ اللّه عزّ وجلّ قادر على جميع الممكنات ، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة ، وإلّا لم يصلح لمبدئيّة الكلّ ، فالهداية والضلالة والإيمان والكفر والخير والشرّ والنفع والضر وسائر المتقابلات ، كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيئته ، إمّا بالذات أو بالعرض ، فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره ، وهي واجبة الصدور منّا بذلك ، ولكن بتوسّط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا ، الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا ، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر المقضي المقدّر ، وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيّز الامتناع ويكون ممكنا وقوعيّا بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونية ، ولمّا كان من جملة الأسباب وخصوصا القريبة منها إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا ، وبالجملة ما يختار به أحد طرفي الفعل والترك ، فالفعل اختياري لنا ، فإنّ اللّه تعالى أعطانا القوة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملا مع إحاطة علمه ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريا ، كيف وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار ! ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكّر والتخيّل وقواها وآلاتها كلّها بفعل اللّه تعالى لا بفعلنا واختيارنا ، وإلّا لتسلسلت القدر والإرادات إلى غير النهاية ، وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل ؛ لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ، بل إذا شئنا فلم تتعلّق مشيئتنا بمشيئتنا ، بل بغير مشيئتنا ، فليست المشيئة إلينا ، إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيئة أخرى سابقة وتسلسل الأمر إلى غير النهاية . ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول : جملة مشيئاتنا غير المتناهية بحيث لا يشذّ عنها مشيئة ، لا تخلو إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن