الفيض الكاشاني

234

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

مشيّتنا ، أو بسبب مشيّتنا . والثاني باطل لعدم إمكان مشيئة أخرى خارجة عن تلك الجملة ، والأوّل هو المطلوب ، فقد ظهر أنّ مشيئتنا ليست تحت قدرتنا كما قال اللّه : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 1 » . فإذن نحن في مشيئتنا مضطرّون ، وإنّما تحدث المشيئة عقيب الداعي وهو تصوّر الشيء الملائم تصورا ظنيّا أو تخيّليّا أو علميّا ، فإنا إذا أدركنا شيئا ، فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل ، انبعث منّا شوق إلى جذبه أو دفعه ، وتأكّد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة ، وإذا انضمّت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات وغيرها فيحصل الفعل . فإذن إذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشيئة تحققت المشيئة ، وإذا تحقّقت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ، ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ، فالحركة لازمة ضرورة القدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيئة والمشيئة ، تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي . فهذه ضروريات يترتّب بعضها على بعض ، وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقّق سابقه ، فليس يمكن لنا أن ندفع المشيئة عند تحقق الداعي للفعل ، ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ، فنحن مضطرّون في الجميع ، فنحن في عين الاختيار مجبورون ، فنحن إذن مجبورون على الاختيار ، هذا ملخّص ما ذكره ، والحق فيه أمر آخر لا يصل إليه إلّا من هو من أهله ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . [ المتن ] [ 326 ] 2 . الكافي : عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللّه ، فقد كذب على اللّه ، ومن كذب على اللّه أدخله اللّه النار » « 2 » . * بيان وذلك لأنّ الأوّل قصّر نظره على السبب الأول ، وقطع النظر عن الأسباب القريبة للفعل مطلقا ، ولم يفرّق بين أعمال الانسان وأعمال الجمادات ، واللّه تعالى أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذّبهم ، وأكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ، والثاني قصّر

--> ( 1 ) . الانسان / 30 ، التكوير / 29 . ( 2 ) . الكافي 1 : 158 / 6 .