الفيض الكاشاني

232

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

* بيان « عند اللّه أحتسب عنائي » أي من اللّه أطلب أجر مشقّتي في هذا السفر مع وقوع ذلك بقضائه وقدره ، كأنه استبعد ذلك وزعم أن فيه تضادّا ، وزيد في بعض الروايات : « ولا أرى لي في ذلك أجرا » فردعه وذكر أنّه ليس حتما يبلغ حدّ الإكراه والاضطرار ، وذلك لأنّه إنّما وقع بالأسباب التي من جملتها اختيار العبد وسعيه ، وإن كان ذلك أيضا مقضيّا ، ثم بيّن ذلك ببيان مفاسد الجبر ، وإنّما كان المذنب أولى بالإحسان ؛ لأنّه لا يرضى بالذنب ، كما يدلّ عليه جبره عليه ، فجبره عليه يستدعي إحسانا في مقابلته ، والمحسن أولى بالعقوبة ؛ لأنّه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه ، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به . وقوله : « ومجوسها » إشارة إلى الحديث النبويّ المشهور : « القدريّة مجوس هذه الامّة « 1 » » ووجه تسميتهم بالمجوس مشاركتهما في سلب الفعل عن العبد ، فإنّ المجوس يسندون الخيرات إلى اللّه تعالى ، والشرور إلى إبليس . وتحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط من الكلام ، فنقول وباللّه التوفيق : اعلم أنّ القدر في الأفعال وخلق الأعمال من الأسرار والغوامض التي تحيّرت فيها الأفهام ، واضطربت فيها آراء الأنام ، ولم يرخّص في إفشائها بالكلام ، فلا يدوّن إلّا مرموزا ، ولا يعلم إلّا مكنونا ، لما في إظهاره من إفساد العامّة وهلاكهم ، ولهذا لم يرد في بيانه إلّا مجملات ، وترى أئمتنا عليهم السّلام تارة يقولون في مثله : « هكذا خرج إلينا » كما مرّ ، وأخرى يقولون : « لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لا يعلمها إلّا العالم أو من علّمها إياه العالم « 2 » » كما يأتي . وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « القدر سرّ اللّه فلا تظهروا سرّ اللّه « 3 » » وفي معناه أخبار ، فالغور فيه ممنوع منه ، إلّا أنّه يمكن الإشارة إلى لمعة منه لمن كان أهله بنقل المذاهب وبيانها ، فإنّ الآراء أربعة : اثنان فاسدان ، هما : الجبر والتفويض اللّذان هلك بهما كثير من الناس ، واثنان دائران حول التحقيق ومرجعهما إلى الأمر بين الأمرين ، أحدهما أقرب إلى الحقّ والنّقول ، وأبعد من الأفهام والعقول ، وهو طريقة أهل الشّهود العارفين بأسرار الأخبار ، والاخر بالعكس ، وهو طريقة أهل العقول والأنظار ، وبيان الأول عسير لغموضه جدّا ، فلنطوها طيّا ، ونكتفي ببيان الثاني ، وإن لم

--> ( 1 ) . عوالي اللآلي 1 : 166 / 10 . ( 2 ) . الكافي 1 : 159 / 10 . ( 3 ) . التوحيد : 383 / 60 .