الفيض الكاشاني

228

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

ما شاء وهو سرّه » « 1 » . * بيان يمكن الإشارة إلى سرّ ذلك لأهله من المتعمّقين وإن كان الظاهريون لبمعزل عن فهمه ونيله بأن يقال : لمّا كان الخلق هم المعلومون للّه سبحانه ، وهو العالم بهم ، والمعلوم يعطي العالم ويجعله بحيث يدرك ما هو عليه في نفسه ، ولا أثر للعلم في المعلوم بأن يحدث فيه ما لا يكون له في حدّ ذاته ، بل هو تابع للمعلوم ، والحكم على المعلوم تابع له ، فلا حكم من العالم على المعلوم إلّا بالمعلوم وبما يقتضيه بحسب استعداده الكلّي والجزئي . والحق سبحانه وإن كان علمه بالخلق علما ذاتيا غير مستفاد ممّا هم عليه ، غير أنّهم اقتضوا في أنفسهم ما كانوا عليه في علمه ، فحكم ثانيا بما اقتضوه بحسب علمه ، فما قدّر اللّه سبحانه على الخلق الكفر والعصيان من نفسه ، بل باقتضاء أعيانهم وطلبهم بألسنة استعداداتهم أن يجعلهم كافرا أو عاصيا ، كما يطلب عين الصورة الكلبيّة الحكم عليها بالنجاسة العينية فما كانوا في علم اللّه سبحانه ظهروا به في وجوداتهم العينية فليس للحق إلّا إفاضة الوجود عليهم والحكم لهم وعليهم ، فلا يحمدوا إلّا أنفسهم ، ولا يذمّوا إلّا أنفسهم ، وما يبقى للحق إلّا حمد إفاضة الوجود ؛ لأنّ ذلك له لا لهم ، ولذلك قال : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 2 » أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم : ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّا بما علّمناهم ، وما علّمناهم إلّا بما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه ، فإن كان ظلما فهم الظالمون ، ولذلك قال : وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 3 » وفي الحديث : « من وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه » « 4 » . فإن قلت : فما فائدة قوله سبحانه : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ « 5 » ؟ قلنا : ( لو ) حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلّا ما هو الأمر عليه ، ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين

--> ( 1 ) . الكافي 1 : 153 / 3 . ( 2 ) . ق ( 50 ) : 29 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 57 . ( 4 ) . الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية والفرق بينهم وبين الشيعة الإمامية / للمفيد : 85 . ( 5 ) . النحل 16 : 9 .