الفيض الكاشاني
174
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
الفاعل تعالى شأنه « المبيد للأبد » إمّا من الإبادة بمعنى الإهلاك أي المجاوز عنه ، أو من التأبيد أي هو الذي أبّد الأبد حتى صار الأبد أبدا . [ المتن ] [ 244 ] 2 . الكافي : عن الصادق عليه السّلام : « بينا أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب على منبر الكوفة ، إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ، ذو لسان بليغ في الخطب ، شجاع القلب ، فقال : يا أمير المؤمنين : هل رأيت ربّك ؟ قال : ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربّا لم أره ، فقال : يا أمير المؤمنين كيف رأيته ؟ قال : ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان . ويلك يا ذعلب ، إنّ ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ ، قبل كلّ شيء لا يقال شيء قبله ، وبعد كلّ شيء لا يقال له بعد ، شاء الأشياء لا بهمّة ، درّاك لا بخديعة في الأشياء كلّها غير متمازج بها ، ولا بائن منها ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤية ، نأء لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسّم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تحويه الأماكن ، ولا تضمّنه الأوقات ، ولا تحدّه الصفات ، ولا تأخذه السّنات . سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله ، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف ألا جوهر له ، وبمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف ألا قرين له ، ضادّ النور بالظلمة ، واليبس بالبلل ، والخشن باللين ، والصرد بالحرور ، مؤلّف بين متعادياتها ، مفرّق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلفها ، وذلك قول اللّه تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 1 » ففرّق بين قبل وبعد ، ليعلم ألا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها ألا غريزة لمغرزها ، مخبرة بتوقيتها ألا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض ، ليعلم ألا حجاب بينه وبين خلقه ، كان ربّا إذ لا مربوب ، وإلها إذ لا مألوه ، وعالما إذ لا معلوم ، وسميعا إذ لا مسموع » « 2 » .
--> ( 1 ) . الذاريات / 49 . ( 2 ) . الكافي 1 : 138 / 4 .