الفيض الكاشاني

162

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

ثابت له بذاته من ذاته قبل أن يخلق شيئا ، بل هو عين ذاته كما قال عليه السّلام : « والقدرة ذاته ولا مقدور » وإن تأخرت الإضافة عنه ، كما قال عليه السّلام : « والقدرة على المقدور » . ومن الصفات ما يحدث بحدوث الخلق بحسب المصالح ، وهو ما يكون كمالا من وجه دون وجه ، وقد يكون ضدّه كمالا ، ويسمى بصفة الفعل ، وهو أيضا على قسمين : قسم هو إضافة محضة خارجة عن ذاته سبحانه ، ليس لها معنى في ذاته زائد على العلم والقدرة والإرادة والمشيئة كالخالقيّة والرازقيّة والتكلّم ونحوها . وقسم له معنى سوى الإضافة ، إلّا أنّه لا تنفكّ عنه الإضافة والمضاف إليه كالمشيئة والإرادة ، فإنّهما في اللّه سبحانه لا يتخلّف عنهما المشاء والمراد بوجه ، بل إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » وما شاء اللّه كان ، فلا توجد الصفتان إلّا بوجود متعلّقيهما ، إلّا أنّ الإرادة جزئيّة ومقارنة ، والمشيئة كليّة ومتقدّمة ، وهذا القسمان إنّما يكونان كمالا إذا تعلّقا بالخير وبما ينبغي كما ينبغي لا مطلقا ، ولهذا قد يخلق وقد لا يخلق ، وقد يريد وقد لا يريد إلى غير ذلك ، كما قال عزّ وجلّ : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 2 » . فإن قيل : إن كانت الصفات المحدثة المتعلّقة بالخير كمالا للّه سبحانه ، فما بالها لم تثبت للّه عزّ وجلّ في الأزل ؟ قلنا : إنّ لها مبدأ ومنشأ في ذاته تعالى هو كمال في الحقيقة ، وهو كون ذاته بذاته في الأزل بحيث يخلق ما يخلق ، ويرزق ما يرزق ، ويتكلّم مع من يتكلّم ، ويريد ما يريد ، ويشاء كما يشاء فيما لا يزال ، وهو من صفات الذات ، ثابت لها في الأزل ، وإنّما هذه الإضافات فروع لها مترتّبة عليها فيما لا يزال على وفق المصلحة وبحسب ما لا يسعه الإمكان ، فلا بأس بتأخّرها عن الذات إذا كان مبدأها الذاتي ومنشأها الكمالي قديما . بل نقول : إنّ الإرادة والمشيّة أيضا لهما معنى ثابت في الأزل من وجه زائد على ما ذكرناه ، وهو كون ذاته تعالى بذاته في الأزل بحيث يكفي علمه بالخير في خلقه إياه على حسب القدرة والاختيار فيما لا يزال وهو من صفات الذات . فإن قيل : فما الفرق بين الإرادة والمشيئة ، بل سائر ما يعدّ من صفات الفعل ، وبين نحو العلم والقدرة ممّا يعدّ من صفات الذات حيث جعل الأول محدثا فعليا ، والثاني أزليا ذاتيا مع اشتراك الكلّ في كونه صفة ثابتة ذات إضافة ، لها وجه

--> ( 1 ) . يس ( 36 ) : 82 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .