الفيض الكاشاني
148
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
إليه لما عرفت أنّها فطرية بخلاف النظر الأول ، فإنّكم تنظرون في الأشياء أولا إلى اللّه عزّ وجلّ وآثاره من حيث هي آثاره ، ثم إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها ، فإنّا إذا عزمنا على أمر مثلا ، وسعينا في إمضائه غاية السعي ، فلم يكن علمنا أنّ في الوجود شيئا غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبين ذلك ، وعلمنا أنّه غالب على أمره وأنّه مسخّر للأشياء على حسب مشيئته ، ومدبّر لها بحسب إرادته ، وأنّه منزّه عن صفات أمثالنا ، وهذه صفات بها يعرف صاحبها حقّ المعرفة . فإذا عرفنا اللّه جلّ وعزّ بهذا النظر ، فقد عرفنا اللّه باللّه ، وإلى مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 1 » وأمثال ذلك من نظائره . وعلى هذا القياس معرفة الرسول بالرسالة ، فإنّا بعد ما أثبتنا وجوب رسول من اللّه تعالى إلى عباده ، وحاولنا أن نعرفه ونعيّنه من بين سائر الناس ، فسبيله أن ننظر إلى من يدّعي ذلك ، هل يبلّغ الرسالة كما ينبغي أن يبلّغ ، وينهج الدلالة كما ينبغي أن ينهج ، فإذا نظرنا إليه من هذه الجهة فقد عرفناه بالرسالة . وكذا القول في الإمام ، فإنّ الكلّ على وتيرة واحدة ، وممّا يؤيّد ما قلناه ، ما أورده الصدوق رحمه اللّه في توحيده في هذا الباب بإسناده عن الباقر عليه السّلام عن أبيه عن جدّه عليهما السّلام أنّه قال : « إنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : يا أمير المؤمنين ، بما ذا عرفت ربّك ؟ قال : بفسخ العزم ونقض الهمّ ، لمّا هممت فحيل بيني وبين همّي ، وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي ، علمت أنّ المدبّر غيري » « 2 » . [ المتن ] [ 195 ] 2 . الكافي : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام ، بم عرفت ربّك ؟ قال : « بما عرّفني نفسه » . قيل : وكيف عرّفك نفسه ؟ قال : « لا يشبهه صورة ولا يحسّ بالحواسّ ، ولا يقاس بالناس ، قريب في بعده ، بعيد في قربه ، فوق كلّ شيء ، ولا يقال شيء فوقه ، أمام كلّ شيء ، ولا يقال له أمام ، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء ، سبحانه من هو هكذا ولا هكذا غيره ، ولكلّ شيء مبتدأ » « 3 » .
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 190 . ( 2 ) . التوحيد : 288 / 6 . ( 3 ) . الكافي 1 : 85 / 2 .