القاضي النعمان المغربي

85

تأويل الدعائم

وجاء بعد ذلك في كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال : ليس في أربع من الإبل شيء فإذا كانت خمسا سائمة ففيها شاة ثم ليس فيما زاد على الخمس شيء حتى تبلغ عشرا ، فإذا كانت عشرا ففيها شاتان إلى خمس عشرة فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى عشرين ففيها أربع شياه فهذا هو الغرض في صدقة الإبل في الظاهر وهو الّذي يجب فيما بين الخمس إلى عشرين من الغنم وهي أربع شياه وليس في صدقة الإبل مما يخرج غنما غيرها وتأويل ذلك في الباطن أن الناطق الّذي هو الرسول في عصره لا يصير إلى حد الرسالة حتى يرتقى في درجات قبل ذلك فإذا صار إليها ارتقى فيها كذلك درجة بعد درجة وأمده اللّه عز وجل من العلم والحكمة بحد من ذلك بعد حد ومن ذلك قول اللّه أصدق القائلين : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً . . . » إلى قوله : وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » فأخبر عن ارتقائه من حد إلى حد بما قد تقدم ذكر تأويله ، ومنه ما حكاه اللّه عز وجل عن يعقوب من قوله ليوسف : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » فتمام النعمة إنما يكون على من ذكرنا شيئا بعد شيء حتى يكون التمام ، ومن ذلك قول اللّه عز وجل لمحمد نبيه صلى اللّه عليه وآله : « وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً » وقوله : « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى » فأخبر عما نقله إليه ووعده أنه بعد ذلك يعطيه ما يرضيه وكذلك يؤيد اللّه أئمة دينه خلفاء أنبيائه بتأييده شيئا بعد شيء حتى يكمل أمرهم ويتم نعمته عليهم ، وكذلك يجرى أيضا على أيديهم لأسبابهم والذين أقامهم وسائط بينهم وبين عباده مما خولهم من فضله ما يقيمون به ما استخدمهم فيه من الدعاء إليهم شيئا بعد شيء حتى يتم لكل ذي مرتبة منهم ما حده له فيها ، وقد ذكرنا فيما تقدم من ذكر الزكاة أن مثل المال الّذي تجرى فيه الزكاة في الظاهر مثل العلم وأن فيه كذلك زكاة باطنه فعلى كل ذي حد من هذه الحدود ما علا منها وما سفل فيما يصيره اللّه عز وجل إليه من العلم والحكمة زكاة فيه ، يؤديها إلى من وجبت له ليطهر المعطى بذلك من يعطيه ويزكيه