القاضي النعمان المغربي
66
تأويل الدعائم
في تأويل الباطن قائم القيامة فهو آخر الأئمة وبه ينقضى الدنيا ، ولا يكون ذلك حتى تحول أمور الناس قبل ذلك ؛ فيمن بالصلاة من صلاها ويرى من أتى الزكاة أنها مغرم عليه غرمها ، يكون هذا في ظاهر عن الناس ويكون مثل ذلك في الباطن منهم فيمن المستجيبون منهم إلى دعوة الحق التي مثلها في الباطن مثل الصلاة على من استجابوا له ، كما من قوّم بذلك على رسول للّه صلى اللّه عليه وعلى آله ، وأخبر اللّه جل وعز بذلك عنهم فقال : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . ويمن كذلك الدعاة بالدعوة على من دعوه ، وإنما المنة بذلك للّه وحده كما قال جل ذكره : « بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ » . وقد شاهدنا بعض ذلك وسمعناه ، وقوله وتكون الزكاة مغرما تأويله في الباطن أن يرى المفيد أن الّذي يفيده المستفيدين منه كالغرم الّذي يثقل على مؤديه فيستثقلون ذلك ، وهذا أيضا مما كنا شاهدناه حتى أنى اللّه سبحانه بفضله ، وقوله لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك ؛ فقد كان ذلك ، وقيام الساعة ينتظر كما قال جل وعز ولا يعلم متى يكون ذلك إلا هو لا شريك له كما أخبر في كتابه . ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : إن اللّه عز وجل فرض على أغنياء الناس في أموالهم لفقرائهم قدر ما يسعهم ، فإن ضاع الفقراء أو أجهدوا أو أعروا فبما منع الأغنياء وأن اللّه محاسبهم على ذلك يوم القيامة ومعذبهم عذابا أليما . وعن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال : إن اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به ، فلو علم أن الّذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم ، وإنما يؤتى الفقراء فيما أوتوا من الجهد والفاقة من منع من يمنعهم حقوقهم لا من الفريضة لهم فهذا في الظاهر هو كذلك وتأويله في الباطن أن اللّه عز وجل قد فرض للمستفيدين فروضا من العلم والحكمة أوجبها لهم على من يفيدهم ممن جعل له ذلك وأعطاه من العلم ما يفيد من دونه منه ، وقد علم جل وعز أن فيما حده من ذلك لهم وأوجبه صلاحهم فإن قصر المفيدون بهم دون ذلك ضاعوا واختلوا ، ولو وفوا لهم الواجب لهم في ذلك لصلحت أحوالهم ، وضياعهم واختلالهم إن لم يكن من تقصيرهم وإعراضهم فهو على من صرفت إليه أمورهم وإن كان ذلك من قبل تخلفهم عن المفيدين وإعراضهم