القاضي النعمان المغربي
289
تأويل الدعائم
يفيده الحكمة أحق بجادة طريق الحق ممن لا مفيد له ، والمطرح لظاهر أهل الباطل أولى بها من متمسك به ، ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه ( ص ) أن الناس ازدحموا في طريق ، وهم معه في بعض غزواته ، فأمر مناديا فنادى من ضيق طريقا فلا جهاد له فهذا في الظاهر مما يكره وينهى عنه أعنى الازدحام في الطريق وتضييقها على من يسلك فيها بدفع بعضهم بعضا ، وذلك من الأذى والتعدي ، ومن فعل ذلك فإنها اتبع هواه في السبق ولم يلتفت إلى ما يدخل بذلك إلى غيره من الأذى فيجاهد نفسه وهواه في ترك ذلك والصبر على من بين يديه والتمهل فترك بذلك الجهاد الباطن فلم يكن له جهاد ، وإن جاهد في الظاهر على ما تقدم من القول في ذلك حتى يكون الجهاد ظاهرا بمقاومة العدو وباطنا بمنع النفس من غير الواجب لها ، وتأويل ذلك في الباطن النهى عن تعدى المؤمنين بعضهم على بعض ، وإيذاء « 1 » بعضهم بعضا ودفع بعضهم عن حق بعض الذين هم مثلهم في اتباع إمام الهدى مثل السالكين جادة الطريق ، ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه ( ص ) من قوله : إن اللّه يحب الرفق ويعين عليه ، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم ، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها بنقيها يعنى بمنحها أي جدوا في السير ما دام لها مخ إذا لم تكن تجد ما ترعى فتقطع الطريق ، وهي قوته وإن كانت الأرض مخصبة فانزلوا بها منازلها وعليكم بالسير بالليل ، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار ، ولا تنزلوا في ظهور الطريق فإنها مدارج السباع ، ومأوى الحيات ؛ فهذا في الظاهر مما يؤمر به ويجب وينبغي فعله ، ومثله في الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الدواب مثل الدعاة وغيرهم من أسباب أولياء اللّه الذين يحملون من العباد من حملوهم إياهم على سبيل الهدى ، ومثل الأرض مثل الحجة ، ومنه يستمد أسباب أولياء اللّه العلم والحكمة ، ومثل خصبة الأرض بالنبات مثل حياة المؤمنين بالعلم والحكمة عن ذلك ، وما ينشئوا منهم عليه كما ينبت النبات في الظاهر عن الماء الّذي مثله مثل العلم ، ومثل الجدب الّذي يكون عن قحوط المطر مثل انقطاع مادة العلم عن الناس فلا يتشوفه منهم أحد ويهلك أكثرهم كما يهلك كذلك أكثر النبات إذا جدبت الأرض ، وما كان للدواب المركوبة مخ تنهض به مثل الّذي يجب وينبغي من اغتنام المؤمنين المستفيدين ما عند المفيدين لهم من العلم والحكمة والجد
--> ( 1 ) أذى ( في ى ) وإذاء ( في ع ) .