القاضي النعمان المغربي

290

تأويل الدعائم

والاجتهاد في طلب ذلك من قبلهم ما دام عندهم منه بقية ، ومثل المخ في الباطن مثل العلم الباطن كما المخ كذلك باطن مستور في داخل قصب العظام ، فإذا كانت الحكمة لهم مبذولة متصلة من قبل أولياء اللّه نزل المستفيدون عند ذلك على منازلهم التي ينزلونهم عليها وأمسكوا عن السؤال والإلحاح عليهم ، وذلك مثل إنزال الدواب في الظاهر منازلها في الخصب ومثل السير بالليل مثل طلب العلم الباطن ، ومثل طي الأرض بالليل دون النهار ، مثل تقريب الحجة طالبى علم الباطن الّذي هو خزانته ووعاؤه ، ما لا يقرب طالبى علم الظاهر إذ أمر ذلك إلى الإمام ، وإن كان هو فيه السبب إليه وفي غيره ، ومثل النهى عن النزول على جادة الطريق وأنها مدراج السباع ومأوى الحيات ، فالطريق كما تقدم القول بذلك إنما هو للسلوك والسير ، وليس للنزول والمقام ، ومثله في الباطن كما تقدم القول بذلك مثل أسباب أولياء اللّه التي تؤدى قاصديهم إليهم ، فمن قصدهم لذلك لم ينبغ له المقام عليهم دون البلوغ إلى قصده ومثل قصد السباع والحيات إلى الطريق بليل مثل قصد أعداء اللّه إلى أسباب أوليائه القائمين بدعوة الباطن الّذي مثله مثل الليل لأذى من يأوى إليهم من المؤمنين ، ويتلو ذلك ما جاء من أن المشاة صفوا لرسول اللّه ( ص ) في بعض غزواته فلما مر بهم شكوا إليه جهد المشي فدعا لهم بخير ورغبهم في الثواب ، وقال عليكم بالنسلان يعنى الهرولة فإنه يذهب عنكم كثيرا مما تجدون ، ففعلوا فذهب كثير عنهم مما وجدوه ، تأويل ذلك أن الماشي مثله كما ذكرنا مثل الساعي على غير اعتماد على مفيد يفيده ، وفي الصبر على ذلك ممن يرغب فيه يطلبه ولم يجده ثواب ، ومثل الهرولة مثل شدة السعي والطلب لمفيد يفيد الساعي ، وذلك مما يستريح ويسكن إليه إذا كان مجدّا فيه غير وان ولا تارك له وقد يئس منه ، ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه ( ص ) أنه قال : أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا : « بسم اللّه الرحمن الرحيم وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » ، وعن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : من ركب سفينة فليقل بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، اللهم بارك لنا في مركبنا وأحسن سيرنا وعافنا من شر بحرنا فهذا مما ينبغي