القاضي النعمان المغربي
88
تأويل الدعائم
رسول اللّه ( صلع ) : ما أخرجت زكاته فليس بكنز ، والكنز ما خبىء وما ستر ؛ فأما ما أخرج الواجب فيه فقد أظهر وعرف مقداره بمعرفة ما أخرج منه فلم يستر ، والزكاة أيضا في اللغة الصلاح ، يقال منه رجل صالح زكى ، والصلاح لا يكون إلا مع الطهارة ولا يكون الرجل صالحا إلا وهو طاهر من الذنوب ولا طاهر من الذنوب إلا وهو صالح ؛ فالزكاة في اللغة تقع على الطهارة وعلى الصلاح وهي أيضا في اللغة الزيادة ، يقال منه زكا الشيء يزكو إذا زاد ونما . والزكاة في التأويل تجرى على هذه الوجوه كلها تكون في موضع طهارة ، وفي موضع صلاحا ، وفي موضع زيادة ونموّا على قدر ما يوجبه المراد بالخطاب فيها كما يجوز ذلك في ظاهر اللغة التي نزل القرآن بها ، وقد قال اللّه جل وعز : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » « 1 » فالتزكية ما ذكرناه وقوله « دسّاها » خلاف ذلك ، ونقيضه فيما ذكر أهل المعرفة باللغة ، وقد قال جل وعز : « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ » فيتحمل أن يكون أراد وهو أعلم بما أراد تطهرهم وتصلح أمرهم أو تزيد فيهم وتنميهم وقد يجوز أن يريد بذلك الطهارة لأن العرب تكرر اللفظ إذا اختلف ظاهره ، وإن اتفق معناه ، ويكون قول اللّه عز وجل : « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ » * يعنى بباطن ذلك إقامة دعوة الحق وَآتُوا الزَّكاةَ * أي أعطوا الواجب الّذي تزكون به أي تتطهرون وتطهرون أموالكم به وتتزيدون من الفضل بإعطائه وتكونون بذلك صالحين عدولا ، كما يقال للرجل زكا إذا عدل وبلغ مبلغ العدول كذلك يبلغ مبلغ ذلك من تزكى بماله وتكون الزكاة أيضا المزكى الّذي يزكى الناس ويطهرهم والعرب تسمى الشيء باسم ما صحبه ولاءمه وكذلك جاء في بعض التأويلات أن مثل الصلاة مثل النطقاء ، والأئمة الذين يقومون بإقامة الدعوة ، ومثل الزكاة مثل الأسس والحجج الذين يطهرون الناس ويصلحون أحوالهم وينقلونهم في درجات الفضل بما توجبه أعمالهم فيكون على هذا قوله لا صلاة إلا بزكاة يعنى أنه لا تقوم الدعوة إلا بمعرفة الأسس الذين هم أوصياء النبيين . والحجج الذين هم أوصياء الأئمة فهذه جملة من القول في تأويل الزكاة . ويتلو ذلك من كتاب دعائم الإسلام ذكر الرغائب في إيتاء الزكاة : جملة القول في إيتاء الزكاة على ما قدمنا ذكره الاتصال بأولياء اللّه ومن أقاموه بصالح
--> ( 1 ) سورة الشمس : 9 و 10 .