القاضي النعمان المغربي
23
تأويل الدعائم
في « الرسالة الوضيئة » وفي « راحة العقل » ، مضافا إلى ذلك أن للكرمانى فضلا كبيرا في تطور النظام الفكري ، والتوسع في الكلام النظري الخاص مع إضافة عناصر جديدة ، وتوسيع لبعض الموضوعات ووضع القواعد الأساسية للتفسير ، ومنع التناقض والتشابه وخاصة بموضوع « الإمامة » التي كانت تدور حولها آراء ونظريات غير مستقرة ولا ثابتة ، ولهذا فإن كتابه « راحة العقل » قد حدد قواعدها وأصولها ومراتبها ومركزها ، ووضع لها القواعد والأسس والنظم والترتيب . وهذا الكتاب بالنسبة للفلسفة الإسماعيلية ، ككتاب « إحياء علوم الدين » لدى الغزالي الّذي قرر وحدد الأسس والأصول للتصوف الإسلامي . لقد كان الكرماني مبرزا في مذهب الدعوة للوجود وفي نفى الأيسية والليسية والصفات عن اللّه نفيا مطلقا ، ومذهب الدعوة في التوحيد ، ومذهب الدعوة في الأصلين الإبداع والانبعاث والغلو الإمامي والأفضلية بين الإمامة والنبوة ، وكل هذا بأسلوب منطقي علمي بحت ، ولم يقف عند هذا الحد بل جمع لأول مرة الأصلين الأولين ، العقل الفعال والنفس الكلية ، مع بيان العقول العشرة الأفلاطونية التي أيدها المعلم الثاني وقد قابل وطابق بين عالم الإبداع ( وهو عالم العقول ، أو النفوس الروحاني ) وبين العالم الجرمانى ( وهو عالم الأفلاك والكواكب ) وبين العالم الجسماني ( وهو ما دون فلك القمر ) ، وبين عالم الدين ( وهو معرفة مراتب حدود الدين ) ثم رسم لها المخططات الجغرافية والفلكية والأرضية والجسدية التي جاءت غاية في الفن والإبداع ودلت على براعة في التعبير ، وعلو كعب في الفلسفة . ومن الرجوع إلى « راحة العقل » واستعراض ما جاء فيه ، نراه قد زخر بتعابير وأدلة عن إبطال الأيسية عن اللّه ، ونفى الصفات الإلهية ، ومما قاله وأيده قوله إن اللّه تعالى لا ينال بصفة من الصفات ، وأن ليس جسما ولا هو في جسم ، وأنه لا يعقل ذاته عاقل ، ولا يحس به محس ، وأنه ليس بصورة أو مادة ولا ضد له ولا مثل ولا يوجد في اللغات ما يمكن الإعراب عنه كما أنه ليس له رتبة في الموجودات . وهذا يدل على ما كان يمتاز به من إلمام واسع بأنواع العلوم لا سيما العقلية منها ، وفي هذا يوافق المعتزلة والمتكلمة ويتفق مع ابن رشد كما أنه في موضوع إيجاد « العلية » عن وجود اللّه نراه يتفق مع ديكارت ، وإن كانا يختلفان بإيراد التفاصيل وطريقة