القاضي النعمان المغربي

180

تأويل الدعائم

كما أوحينا إلى نوح وقوله : « إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ » كقوله والنبيين من بعده أجمل ذكرهم وهم إبراهيم وموسى وعيسى صلى اللّه عليهم وسلم وكان مثل دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل دعوة الفجر وهي التي أمره بإقامتها وأن يدعو فيها إلى مثل ما دعا أولو العزم من قبله وهم هؤلاء الأربعة ، ومن ذلك أيضا الّذي نسق هذا القول عليه : « سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ » فأمره أن يقيم دعوته على سنة من قد أرسل من قبله من هؤلاء وأخبره أنه لا تحويل لسنته ثم قال : « وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً » « 1 » فدعوته صلى اللّه عليه وسلم مثلها مثل صلاة الفجر كما ذكرنا وقرآنها هو الّذي قرنه به وجعله منه وأخاه وهو وزيره ووصيه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان مشهودا شهد اللّه عز وجل وملائكته وأولو العلم والمؤمنون من عباده بأنه وصيه وخليفته من بعده فأخبر كذلك أنه على سنته وسنة من مضى من النبيين من قبله ثم قال : « وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » « 2 » والليل كما ذكرنا مثله في التأويل مثل الباطن والكتمان والتهجد هو القيام فيه فقيامه في الظاهر بالصلاة نافلة فيه فضل وقد أمر اللّه بذلك رسوله وباطن ذلك هو القيام بدعوة الباطن والنافلة في كلام العرب العطية التي تعطى تطوعا بعد الفريضة ويسمون أيضا ولد الولد نافلة ومنه قوله تعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام : « وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ » يعنى ابنه ويعقوب « نافلة » يعنى ابن إسحاق ، والنفل أيضا في لغتهم الغنم والجمع الأنفال ومنه قول اللّه تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ » وكيف تصرف القول في هذا ففيه شواهد لباطنه وهو قوله ومن الليل فتهجد به يعنى بما قد نسق ذلك عليه وهو قرآن الفجر الّذي ذكرنا أنه في التأويل وصيه صلى اللّه عليه وسلم فأمره بأن يتهجد به من الليل أي بقيامه للباطن وكذلك حد الأوصياء مع الأنبياء والحجج مع الأئمة أنهم هم الذين يلون أمر الباطن ، نافلة لك أي عطية أعطاكها اللّه لتقيم ظاهر دعوتك وباطنها وذلك هو المقام المحمود الّذي ذكره تعالى بقوله : « عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » « 3 » يقول إذا أقمت

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 78 . ( 2 ) سورة الإسراء : 79 . ( 3 ) سورة الإسراء : 79 .