ابن الوزان الزياتي

57

وصف افريقيا

وفي الأزمنة التالية استرد عرب نوميديا ، الذين كانوا عبيد النوميديين تقريبا ، استردوا حريتهم وهيمنوا رغم أولئك على جزء من نوميديا الذي أقطعهم إياه المنصور ، حتى أصبحوا يوسعون أراضييهم يوما بعد يوم . أما العرب الذين كانوا يسكنون أزغار والمناطق الأخرى من موريتانيا فقد استعبدوا ، لأن العرب خارج الصحراء كالسمك خارج الماء « 98 » ، وكانوا يودون الذهاب إلى الصحراء ولكن كان ذلك من المستحيل عليهم ، لأن ممرات جبال الأطلس كانت تحت حراسة وسيطرة البربر . ومن جهة أخرى كان عليهم أن يكفوا عن أي توسع في الأرياف ، لأن عربا آخرين كانوا سادتها . ولهذا تخلوا عن كبريائهم وانصرفوا إلى رعي الماشية وزراعة الأرض . ولكنهم ظلوا يعيشون تحت الخيام لا تحت أكواخ أو بيوت ريفية . وبالإضافة إلى توسعهم أصبح عليهم أن يدفعوا سنويا ضرائب وعوائد لملك فاس . أما عرب دكالة الذين تحصنوا بكثرتهم فقد كانوا أحرارا وما كانوا ملزمين بدفع أية ضريبة . وبقي قسم من العرب في منطقة تونس لأن المنصور رفض اصطحابهم معه . وبعد رحيله قام هؤلاء باحتلال تونس ، وأصبحوا سادة البلاد واستمرت هيمنتهم إلى أن ثار بعض أمراء أسرة أبي حفص . فاتفق العرب معهم كي يتركوا لهم السلطة العليا بشرط أن يحصلوا على نصف الضرائب ومنتجات الأرض التي ستنتزع من المملكة « 99 » .

--> - وعاقب العرب الدين أمدوهم بالعون . وعاد إلى مراكش في أيلول ( سبتمبر ) 1188 م بعد معركة مظفرة ، مصطحبا معه أكثر العرب شغبا كي يجعلهم تحت مراقبته ولكي يستخدمهم في حرب الأندلس . فأقام هؤلاء العرب في تامسنه وفي ازغار . ولكن عرب المعاقيل ، الذين لم يكن عددهم يتجاوز 200 رجل عند الزحف الهلالي والذين تكاثروا تكاثرا مذهلا ، أخذوا بالتسلل نحو الغرب عبر الجنوب التونسي والجنوب الجزائري والجنوب المغربي كي يصلوا إلى السوس في القرن الثالث عشر الميلادي . وفي أواخر القرن الرابع عشر لم يكونوا قد تجاوزوا جنوبا الساقية الحمراء ، وفي أواسط القرن الخامس عشر الميلادي . وصلوا وادان ، وفي عصر المؤلف بلغوا تيشيت في موريتانيا الحالية ، وقد كانوا من ناحية أخرى قد بلغوا البحر المتوسط سالكين وادي الملوية وذلك في القرن الثاني عشر الميلادي . ( 98 ) وهنا نتوقف قليلا لنوضح المفهوم الجغرافي لبعض الأسماء الواردة في نص الوزان : فكلمة موريتانيا عنده تعني المنطقة الواقعة إلى الجنوب من مدينة الجزائر حتى شمال مصب نهر السبو ، وتعني نوميديا منطقة قسنطينة ، وأما إفريقية فتغني بلاد تونس الشمالية بما في ذلك القسم الشرقي من منطقة قسنطينة أي كل حوض نهر المجردة ورافده نهر الملاق . ويقصد المؤلف بعبارة العرب دوما الأعراب لو البدو من بني هلال وسليم والمعاقيل ( المترجم ) . ( 99 ) لقد حدث الاستيلاء على تونس في كانون الأول ( ديستمبر ) 1203 م ، ولم يتم انتزاع المدينة على أيدي العرب ، بل بواسطة قوات المدعي المرابطي يحيى بن إسحاق بن غانية المايورقي ، الذي تزعم التمرد المرابطي بعد وفاة أخيه علي . وجاء خليفة مراكش أبو عبد الله محمد الناصر ذاته لاستخلاص تونس في 1205 م . وأرسل أفضل قواده ، عبد الواحد بن أبي حفصة عمر لمطاردة يحيى الذي انهزم في تشرين الأول ( أكتوبر ) 1205 م . عند جبل تاجيره في الجنوب التونسي . وعند عودته من تونس إلى مراكش في ايار ( مايو ) 1207 م ترك الناصر عبد الواحد واليا على تونس وحاكما على البلاد التونسة . وفي