ابن الوزان الزياتي

56

وصف افريقيا

ومع هذا ظل العرب في البوادي يقتلون وينهبون كل ما يمكن أن يقع تحت أيديهم . وفي أثناء ذلك ظل أقارب الأمير المتمرد يمارسون السلطة في أماكن مختلفة . ولكن عندما آلت السلطة إلى المنصور ، رابع ملك وخليفة في دولة الموحدين ، لم يعمل كما صنع أسلافه الذين كانوا يحاربون لمصلحة أحفاد الأمير الثائر ويعيدون لهم سلطتهم ، بل اتخذ قراره بمناصبتهم العداء وانتزاع أية سلطة منهم . وتصرف لذلك بمكر ودهاء ، وعقد معاهدات معهم ، ثم حرض العرب على محاربتهم ، فانتصر هؤلاء عليهم بدون كبير عناء . وحينئذ اصطحب المنصور أهم رجالات العرب وأمراءهم إلى ممالك الغرب ، فأقطع زعماءهم منطقة دكالة وأزغار ومنح نوميديا لعامتهم « 97 » .

--> - البربر أربعين عاما فوصلوا حتى مدينة الجزائر ، وتوغلوا في أسبانيا حتى مدينة فراغا في أراغون ، تحت قيادة زعيمهم الشهير يوسف بن تاشفين ، وهو الذي تقلد أمر قيادتهم في شهر تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1061 م ، وأسس مراكش عام 1062 م ومات بتاريخ الثالي من أيلول ( سبتمبر ) 1106 م عن عمر يبلغ 96 عاما . ولا يبدو أن يوسف بن تاشفين قد اهتم كثيرا بشأن مشاكل العرب مع الامراء الصنهاجيين . بل كل ما هنالك يظهر أنه احترم اسم ذلك النسب القبلي البعيد ، وهو امارة بني حماد الصنهاجية ، التي كانت عاصمتها حينذاك تاكربوست ، أو قلعة بني حماد ، قرب مسيلة بالقطر الجزائري . ( 97 ) يظهر هذا العرض غير صحيح إطلاقا . فبعد أن نودي بعبد المؤمن بن علي خليفة الموحدين في 11 آذار ( مارس ) 1132 م قام هذا بالاستيلاء على كل شمالي أفريقيا ، أو بلاد البربر عند الوزان ، وفي 1160 م اعترفت برقة بسلطته . وفي شباط ( فبراير ) 1152 م احتل بجاية التي كانت منذ 1067 م عاصمة الأمراء الحماديين ، وخرب عاصمتهم القديمة ، قلعة بني حماد ، تماما . ولكن العرب ، على العكس ، هم الذين عملوا على دعم الأمراء الصنهاجيين . فبعد أن حشدوا جموعهم في بأجة أنقضوا في أيار ( مايو ) أو حزيران ( يونية ) عام 1153 م على ستيف ، أي على مؤخرة جيش الموحدين العائد إلى المغرب . وبعد معركة حامية الوطيس امتدت على ثلاثة أيام انهزموا وطوردوا إلى أن أعلنوا خضوعهم الذي استمر حتى عام 1185 م . فتلاشت مملكة بني حماد في بجاية ولم يبق منها سوى الإمارات الصنهاجية في إفريقية ، أي في الشمال التونسي . وعلى أثر الاستنجاد بعبد المؤمن لطرد نصارى صقلية من المهدية ومن الساحل التونسي الذي احتلوه عام 1148 م انطلق من مراكش في تشرين الأول ( أكتوبر ) 1158 م ودخل بدون مقاومة إلى تونس في الرابع من حزيران ( يونيو ) 1159 م وانتزع المهدية منهم في 21 كانون الثاني ( يناير ) 1160 م بعد حصار طويل . وقام بتصفية الأمراء الصغار المحليين وعين مكانهم حكاما من الموحدين . وعند عودته إلى المغرب اصطحب عبد المؤمن معه عددا من العرب مع عائلاتهم . واضطر ابنه وخليفته أبو يعقوب يوسف أن يقوم بحملة استغرقت عامين من 1179 م إلى 1181 م لإخضاع إفريقية . وبعد عودته إلى مراكش بقليل جاءت كتيبة كبيرة من العرب لتضع نفسها تحت تصرفه . وفي 30 تموز ( يوليو ) 1184 م نودي بأبي يوسف يعقوب ، الملقب بالمنصور خليفة الموحدين الرابع ، إذا اعتبرنا ابن تومرت الخليفة الأول ، أو ثالث خليفة مؤمني ( أي بعد عبد المؤمن . وذلك إذا اعتبرنا عبد المؤمن هو الخليفة الموحدي الأول ) . وفي العاشر من أيار ( مايو ) 1185 م نزل في بجاية دعىّ لإعادة حكم المرابطين ، هو علي بن إسحاق بن غانية ، أمير جزيرة ماجورقة ، مع بضعة من إخوته وقواته . وبعد أن أحرز المرابطون عدة نجاحات محلية ، اضطروا للانكفاء نحو الجنوب التونسي ، حيث حرضوا العرب على العصيان ولاقوا عونا من الفرق التركية القادمة من مصر بقيادة أحد مماليك صلاح الدين الأيوبي ، وهو قراقوش الأرمني الأصل . وأصبح الوضع خطيرا . فغادر الخليفة المنصور عاصمته مراكش في 17 كانون الأول 1186 م واندفع لإستعادة قفصه وقابس ، وكسر المرابطين والأتراك