ابن الوزان الزياتي

437

وصف افريقيا

المدينة بيد القوط « 62 » وأغراهم باحتلالها أن نبلاء الرومان الذين كانوا يستوطنون أفريقيا التجأوا إليها وجمعوا فيها ثرواتهم . وظلت حينا من الدهر مهجورة ، ثم عمرها الناس ، ولكنها ظلت قرية . ويمر بين قلعة تقع فيها « 63 » وبين حيين من أحيائها جدول ذو ماء صالح للشرب يجري في قناة حجارتها ناصعة البياض حتى لكأنها من الفضة . ويحرك هذا الجدول طواحين قمح ، وينبع من تل واقع على مسافة ميل ونصف من المدينة تقريبا « 64 » ، والأربص مدينة غير مطمئنة كثيرا لأن سكانها مرهقون بالضرائب من ملك تونس ، وينقسمون إلى طائفتين : طائفة الحاكة ؛ وطائفة الفلاحين ، ولو عرف ملوك تونس خصوبة هذه المنطقة ، وما يمكن أن تنتجه سواء من الحب أو من الماشية ، ووفرة مائها ، ونقاوة هوائها ، لهجروا تونس وسكنوها . ويعرف العرب كل ذلك ، ولهذا يأتون كل سنة إلى أرياف الأربص حيث يملئون أكياسهم من القمح دون أن يدفعوا شيئا ثم يعودون للصحراء . مدينة باجة باجة مدينة قديمة بناها الرومان على مسافة خمسة وعشرين ميلا تقريبا « 65 » من البحر المتوسط وعلى مسافة ثمانين ميلا ، أو أكثر قليلا ، من تونس « 66 » . وقد بناها الرومان فوق موقع مدينة أخرى ، ولهذا دعيت فكّشيا : وبعدئذ أبدلت الفاء باء ، وتحولت الكاف المشددة إلى ج فأصبحت باجه « 67 » . ولكنني أظن أن الاسم الأول الذي أعطاها إياه الرومان قد حرف بسبب كثرة تقلب الأمراء على المدينة واختلاف لهجاتهم وبسبب تبدلات الديانة ، لأننا نلاحظ أن هذه الكلمة ليس عربية . وقد احتفظت باجه

--> ( 62 ) المقصود الفندال . ( 63 ) وربما كانت خرائب حصن روماني . ( 64 ) لقد أصبحت الجداول التي كانت تنبع من الكدية الغربية في الغرب ومن جبل الأربص من الشرق ، أصبحت جافة . ( 65 ) 40 كم . ( 66 ) وهي لا تبعد في الواقع أكثر من 65 ميلا أو 105 كم عن تونس . ( 67 ) كانت المدينة الرومانية تدعى فاجا ، وباجة هي التحريف العربي ، أما فكشيا أي العتيقة فهي كلمة إيطالية لم يعرفها اللاتين .