ابن الوزان الزياتي

355

وصف افريقيا

ورتاجّن التي لا تزال تملك المدينة في الوقت الحاضر . وعندما فقدت أسرة بني مرين مملكة فاس حاول العرب المجاورون انتزاع إمارة دبدو من بني ورتاجّن . ولكن هؤلاء دافعوا عنها ببسالة بفضل معونة شخص يدعى موسى بن حمّو ، وهو من أعضاء هذه القبيلة . واضطر العرب لعقد هدنة معه . وظل موسى أميرا على المدينة بقية حياته ، وخلفه من بعده ابن له يدعى أحمد كان يشابه أباه من جميع الوجوه . وخلف احمد هذا ابنه محمد الذي كان من أفذاذ رجال الحرب المبرزين . فقد احتل قبل تسلمه السلطة بضع مدن وقصور عند سفح جبال الأطلس ، نحو الجنوب ، على تخوم نوميديا . ولما تسنّم قيادة دبدو ، جمّل هذه المدينة ببضعة أبنية ووصل بها إلى مستوى عال من الازدهار . وقد برهن على كثير من الأريحية وفرط البشاشة تجاه الغرباء وتجاه الذين كانوا يمرون بهذه المدينة ، وعاملهم بحفاوة بالغة ، وغمرهم بإحسانه ، واحتمل عنهم نفقات إقامتهم ، حتى شاع صيته بين العديد من القبائل . وقد أشار عليه أناس كثيرون بانتزاع تازه من يدي ملك فاس ، ووعدوه أن يقدموا له كل ما هو بحاجة اليه من معونة لتحقيق ذلك . وتم حبك المؤامرة التالية : « تخفى الأمير محمد هذا في زي رجل جبلي وشخص يوما ما إلى سوق تازه ، كأنه شخص عادي يرغب في شراء ما يحتاج اليه من هذه السوق ، وكان المؤتمرون على موعد معه بالالتقاء به لتنفيذ مؤامرتهم ، وانقضوا بغتة على حاكم تازه . وكان النجاح ميسرا ، لأن السكان كانوا مهيئين لقبول هذا الوضع الجديد ، ولكن المؤامرة افتضحت قبل أن تتم فصولها ، وبادر ملك فاس ، وكان حينئذ محمد الشيخ ، والد الملك الحالي ، إلى السير لاحتلال دبدو مع أكبر قدر من الجيوش التي استطاع تعبئتها . وحينما وصل إلى سفح الجبل أمر قواته باتخاذ أهبة الهجوم . ولكن الجبليين الذين كان عددهم ستة آلاف تجمعوا بمهارة ، وتركوا قسما من القوات الملكية تمر في دروب الجبل المتعرجة الضيقة التي يتعسر الخروج منها . وحينما وصلت هذه القوات إلى حيث أراد الجبليون أن تصل ، انقضوا عليها ، وكانوا هم في أحسن حال من الراحة والنشاط ، بينما كانت القوات الملكية مرهقة مكدودة ، وكانت الطريق ضيقة عسيرة . فعجز جنود الملك عن تحمل المباغتة ، واضطروا إلى التخلي عن المعركة ، وفروا لا يلوون على شيء ، فكانوا يتدافعون بالمناكب حتى إن الواحد منهم كان يحول في فراره دون تراجع الآخر ، وحتى