ابن الوزان الزياتي

270

وصف افريقيا

هذا الخليفة يعاضدهم طيلة حياته ، وأسس للصوفيين زوايا ومدارس . وازدهرت الصوفية مدة مائة سنة أخرى ، إلى أن قدم من آسيا الكبرى إمبراطور من السلاجقة ، وهو تركي الأصل « 183 » فأخذ يضطهد هذا المذهب وهرب الصوفيون ، فمنهم من قصد جزيرة العرب ، وبعضهم الآخر قصد القاهرة . وظلوا حوالي عشرين عاما في المنفى حتى عهد صاصلشاه « 184 » حفيد ملكشاه . فقد كان مستشار هذا الملك ، وهو رجل على درجة عالية من الذكاء ، يدعى نظام الملك ، كان من أتباع هذا المذهب « 185 » فأدخل بعض التجديد على هذا المذهب وسانده إلى أن توصل إلى تحقيق المصالحة بين الفقهاء والصوفية بفضل عالم كبير جدا يدعى الغزالي « 186 » الذي ألف في هذه المادة كتابا مطولا رائعا يقع في سبعة مجلدات . وقد نتج عن هذا الوفاق أن أخذ الفقهاء لقب علماء شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحفظتها في حين سمي الصوفيون « شارحي الشريعة ومصلحيها » . وقد قضى التتر على هذا الاتحاد وذلك في عام 656 ه « 187 » . غير أن هذا الانفصال الناجم عن ذلك لم يؤد ، مع هذا ، إلى إلحاق أي ضرر بالصوفية ، لأن آسيا وإفريقيا كانتا قد أصبحتا مليئتين بأتباعها . وفي هذه الآونة لم يدخل فيها سوى الرجال المثقفين في كل المواد ولا سيما الذين يعرفون القرآن الكريم معرفة جيدة كي يستطيعوا الدفاع عن هذه العقيدة وتفنيد العقائد المعادية . ومنذ مائة عام أصبح كل جاهل يود أن يكون صوفيا ، بدعوى أن ليست هناك حاجة لدراسة العقيدة لأن روح القدس تمنح معرفة الحقيقة لكل من كان له قلب طاهر ، واستنادا لمزاعم أخرى ليس لها كبير قيمة . ولهذا السبب تخلى الصوفيون عن كل أحكام الإسلام وعن واجباته ونوافله . ولم يعودوا يتقيدون بغير الطقوس المعهودة عند شيوخهم . وراحوا يبيحون لأنفسهم كل المتع التي تعتبرها طريقتهم مشروعة . ولهذا

--> ( 183 ) لقد وفد السلاجقة ببطه من منغوليا ، وفي عام 1060 م اعترف خليفة بغداد بأميرهم طغرل بك سلطانا وملكا على المغرب والمشرق . وقد كان ملكشاه ، الذي حكم من عام 1070 إلى 1092 م أكبر سلطان سلجوقي . ( 184 ) ؟ ( 185 ) كان نظام الملك ، الذي اغتيل سنة 1092 م ، كان في الحقيقة وزيرا لملكشاه . ( 186 ) هو أبو حامد محمد الغزالي المتوفي سنة 1111 م . ( 187 ) بتاريخ 2 صفر 656 ه / 11 شباط ( فبراير ) 1258 م اجتاح خان المغول هولاكو مدينة بغداد وذبح الخليفة وسائر المسلمين ونهبت المدينة وأحرقت ، وهكذا تلاشت الخلافة العباسية . « وقد سقطت قرطبة بيد الأسبان نهائيا في نفس السنة » ( المترجم )