ابن الوزان الزياتي

271

وصف افريقيا

يقيمون الكثير من المآدب حين ينشدون أغاني الحب ويرقصون بصورة مفرطة . ويصل الحال ببعضهم في هذه الحلقات إلى تمزيق ثيابه ، بتأثير هياج الأغنية التي تلقى أو بسبب الأفكار الجنونية التي قد تخطر بدماغ أناس فقدوا كل اتزان . ويقول هؤلاء الناس عندئذ أنهم تسخنوا بلهيب الوجد الإلهي . ومن وجهة نظري أعتقد أنهم تسخنوا من فرط الطعام ، لأن الواحد منهم يأكل ثلاثة أضعاف ما يكفي الشخص الواحد . أو أنهم عندما يطلقون صرخات مصحوبة بنحيب ، وهذا ما يبدو محتملا جدا ، فذاك للحب الذي يحملونه لبعض الفتية المرد . وليس من النادر أن يدعو أحد الأشراف إلى حفلة عرسه أحد الأساتذة من أولئك الصوفيين البارزين مع سائر تلامذته . وعندما يصلون إلى مكان الوليمة يبدأون بإلقاء الأدعية وغناء الألحان . وبعد الفراغ من الطعام يأخذ كبار السن منهم بتمزيق ثيابهم ، وإذا اندفع واحد من هؤلاء الرجال المتقدمين بالسن إلى الرقص ، فإنه يترنح ، وسرعان ما يعيده لوقفته أحد الصوفيين الصغار الذي غالبا ما يمنحه قبلة شهوانية . ومن هذا جاء المثل السائر على كل أفواه أهل فاس : « هذا مثل وليمة النساك ، التي حولتنا من عشرين إلى عشرة » ، ومعنى ذلك ، أن كل تلميذ صغير يعرف ما ينتظره ، في الليلة التي تعقب هذا الاحتفال . ( فيستحيل هو وشيخه إلى جسم واحد ، ويصبح العشرون عشرة ) . ويسمى هؤلاء الصوفيون أحيانا النساك ؛ إذ ليس من عادتهم التزوج بالنساء ، ولا العمل ، ولا ممارسة أية مهنة كانت ، بل يعيشون كيفما اتفق وحسب الظروف . وترد في شرح مقامات الحريري « 188 » حوالي ألف فريدة في هذا الموضوع ، ومن غير اللائق ذكرها هنا لأسباب متعددة . مختلف الطرائق والمذاهب الأخرى سرعة تصديق الجمهور للأباطيل هناك بين هذه المذاهب ما تعتبر قواعده ، لدى علماء الشريعة أو الصوفية ، مروقا لأنها لا تختلف عن المذاهب الأخرى من وجهة نظر الشريعة الدينية فحسب بل حتى من ناحية العقيدة كذلك .

--> ( 188 ) أبو محمد القاسم الحريري ، ولد في البصرة سنة 1054 م وتوفي سنة 1122 م . وهو مؤلف المقامات الشهيرة باسمه .