ابن الوزان الزياتي
269
وصف افريقيا
القواعد والخصائص التي يطبقها بعضهم تجاه شريعة محمد يوجد في فاس بعض الأشخاص الذين يحملون اسم الصوفية ، أي علماء أو أساتذة الأخلاق . وهم يتبعون بعض النواميس التي لم يأمر بها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فبعضهم يعتبرهم من الراشدين ، وبعضهم لا يرى ذلك ، ولكنهم في نظر العامي من الأولياء . فمن الناحية الشرعية مثلا لا يجوز الغناء ولا تلحين أية قصيدة في الحب . ولكن هؤلاء يبيحون ذلك ، وتشمل طرائقهم عدة فروع ، ولكل منها قواعدها الخاصة ، ورئيسها الذي يدافع عنها ، وعلماؤها الذين يؤيدون مبادئها ، وكتبها العديدة عن الحياة الروحية . وقد نشأت الصوفية بعد ثمانين عاما من وفاة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 180 » . ويدعي أكثر مؤسسيها شهرة الحسن بن أبي الحسن البصري « 181 » ، من مدينة البصرة . وقد أخذ في البداية يسرّ بعض القواعد لتلاميذه لأنه لم يكتب شيئا . وبعد مائة عام ظهر رجل آخر ، عظيم القدر في هذا المضمار ، هو أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي « 182 » ، من مدينة بغداد ، وألف كتابا جيدا عرض فيه تفاصيل طريقته لكل مريديه . بيد أن الفقهاء أنكروا هذا المذهب فيما بعد ونصحوا الخلفاء بمناهضته وأعدم كل الذين كانوا يسلكون هذا المسلك . ولكن هذا المذهب تشكل من جديد بعد ثمانين عاما تحت إدارة رجل كبير القدر للغاية وتبعه كثير من المريدين ، ودعا علنا لطريقته مما جعل العلماء يتفقون مع الخليفة وحكم عليه بالإعدام مع أتباعه ، وتقرر ضرب أعناقهم جميعا . ولما علم هذا الرجل بذلك طلب إلى الخليفة بأن يتكرم عليه فيسمح له بمناظرة كل الفقهاء . وإذا خرج مغلوبا فإنه سيتقبل حكم الموت عن طيب خاطر ، ولكن إذا استطاع أن يبرهن بأن طريقته هي الأفضل ، فلن يكون من الإنصاف قتله مع هذا العدد الكبير من الأبرياء المساكين بسبب تهمة مفتراة وبدون أساس . وقد تراءى هذا الطلب للخليفة عادلا فمنحه العفو المطلوب . وهكذا ذهب هذا العالم إلى ذلك المؤتمر الغريب وتغلب على كل الفقهاء بأيسر شكل ، حتى أن الخليفة نفسه اعتنق مذهبهم وهو يبكي وانتسب إلى طريقتهم . وقد ظل
--> ( 180 ) أي حوالي العام 91 ه / 710 م ، لأن الرسول توفي يوم 12 أو 13 ربيع الأول في العام الثاني عشر للهجرة أو 7 - 8 حزيران ( يونية ) 632 م . ( 181 ) توفي سنة 728 م . ( 182 ) توفي عام 857 م .