ابن الوزان الزياتي

251

وصف افريقيا

ويمارس بعض الرجال ، دون أن يخجل من ذلك بلاط الملك ، مهنة « التباغين » ( نسبة إلى التبغ ) . فلديهم نساء ساقطات في بيوتهم وخمر للبيع ويستطيع أي شخص أن يستمتع بذلك بكل طمأنينة « 158 » . وقد أحصي في فاس ستمائة نبع ، وهي عيون طبيعية أحيطت بسياجات من حجر مع أبواب تحفظها مغلقة . وتتوزع ماء هذه الينابيع في مختلف الحاجات ويساق إلى البيوت وإلى الجوامع والمدارس والفنادق . وهذا الماء مرغوب فيه أكثر من ماء النهر ، لأن ماء هذا النهر ينقطع أحيانا ، ولا سيما في الصيف . أضف إلى ذلك أنه عندما يقتضي الأمر تنظيف القنوات يجب عندئذ تحويل مجرى النهر خارج المدينة . ولهذا اعتاد سائر الناس استعمال ماء العين . وعلى الرغم من توافر ماء النهر في بيوت الوجهاء فهم يجلبون إلى منازلهم مياه العيون لأنها أكثر برودة وعذوبة ، ولكنهم يفعلون العكس في الشتاء . وتقع أكثرية هذه الينابيع في غرب المدينة وفي جنوبها ، لأن كل القسم الواقع في اتجاه الشمال هو في الجبل المؤلف من صخر كلسي . وهنا توجد جباب عميقة يحفظ فيها الحب لمدة بضع سنين ويعيش سكان هذه البقعة ، وهم من فقراء الناس ، من تأجير هذه العنابر ، وتقدر الأجرة

--> ( 158 ) من غير المحتمل انه يقصد بذلك أمكنة تدخين التبغ . ولكن المؤلف استعار عبارة التبغ للإشارة إلى مكان كان يدخل الناس فيه غالبا الكيف وهو الحشيش ، لا سيما وان التبغ لم يكن بالتأكيد قد شاع استعماله في المغرب في أيام الوزان . والتبغ الذي استوردته أوروبا من أمريكا لم ينتشر تدخينه إلا بين أوائل الأوربيين الذين عاشوا في أمريكا ، وشاع في أوروبا في النصف الثاني من القرن السادس عشر . أما بالنسبة للمغرب فلدينا نص يشير إلى وصوله للمغرب ، وهو بقلم الأوفراني ، في كتابه « تاريخ الأسرة السعدية في المغرب » وذلك إذ يقول : « في شهر رمضان 1007 ه / آذار / نيسان ( مارس - ابريل ) 1599 م ، وصل الفيل إلى فاس ، وقد جيء به من السودان سنة 1001 ه ، أو 8 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1592 - 27 أيلول ( سبتمبر ) 1593 م ، ويدعى بعض المؤلفين انه على أثر وصول هذا الحيوان دخل استعمال هذا النبات الخبيث ، المسمى التبغ إلى المغرب ، فالزنوج الذين كانوا يقودون الفيل جلبوا معهم التبغ الذي كانوا يتعاطون تدخينه ويدعون ان استعماله يجلب لهم الكثير من الفوائد . وشاعت عادة التدخين التي أدخلوها أولا في منطقة الدرعة ثم في مملكة مراكش وأخيرا في سائر الغرب » . ومن ناحية أخرى يقول محمود كاتي في كتابه « تاريخ الفتاش » elFettach ( لعلها الفتح ) ( ترجمة M . Delafosse et O . Houdas باريس - الناشر Leroux سنة 1913 ص 320 : « في عهد القائد المنصور أي في عام 1594 - 1596 م » ظهر التبغ في السودان حيث انتشرت عادة تعاطيه ومن المؤكد أن التبغ جاء إلى المغرب عن طريق إسبانيا وعرفه سكان تومبكوتو عن طريق المغاربة ، من نصارى اعتنقوا الاسلام وسواهم . والتاريخ المتأخر الذي يشير إليه الافراني وهو 1599 والذي لا يعتمد إلا على رأي غير مؤكد ، ويتناقض مع رأي محمود الكاتي ، يستبعد كذلك الفكرة القائلة بأن التبغ كان شائعا في المغرب في العصر الذي كان فيه الحسن الوزان . ( ولد الحسن الوزان حوالي سنة 1489 أي قبل التاريخين اللذين يذكرهما الأوفراني ومحمود الكاتي بأكثر من مائة سنة ) ( المراجع ) .