أحمد فارس الشدياق

95

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

آراء في الطرب وأشجى آلة من آلالات الإفرنجية هي ( الكنشرتينة ) وهي فرع من فروع الأرغن ونحو من المنفخ يفتح ويطبق ، وهي من مخترعات وينسطون . ومن المعلوم أنّه كلّما رقّت طباع الناس ، ولطفت أخلاقهم كانوا إلى الحاضرة في مضمار الطرب أسبق ، ولشذا عبيره أنشق ، فإن المولع بغر المعاني ونكات الكلام لا يسمع الألحان إلا ويتصور معها من الحسن ما يهيم به وجدا قبل أن يشعر الغبي بمجرّد معرفة كونها غناء ، ولا سيّما إذا كان الإنشاد معربا والوقت معجبا . وقد جاء في شرح لامية العجم للعلامة الصفدي من لم يحركه العود وأوتاره ، والربيع وأزهاره فهو فاسد المزاج بعيد العلاج . وقال أفلاطون : من حزن فليسمع الأصوات الطيّبة فإن النفس إذا حزنت خمد نورها فإذا سمعت ما يطربها ويسرّها اشتعل منها ما خمد . وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي شرّ الغناء والشعر الوسط لأن الأعلى منها يطرب والدنيء يضحك ويعجب ، والوسط فلا يطرب ولا يضحك . ومن الغلط البيّن أن يقول أحد : إني لم أطرب لهذه الألحان لجهلي باللغة فإن أصل الطرب إنّما يكون عن الصوت لا عن الكلام المتغنّى به . غناء أهل مالطة أمّا أهل مالطة فإنّهم في الغناء مذبذبون كما في غيره أيضا فلا هم كالإفرنج ولا كالعرب ، فأهل القرى منهم ليس لهم إلا أغاني قليلة ، وإذا غنّوا مطّوا أصواتهم مطّا فاحشا تنفر المسامع منه ، فمضاهاتهم للإفرنج هي في اقتصارهم على الرصد ، وللعرب في أنّهم إذا اجتمع منهم طائفة للغناء لم يخرجوا أصواتهم إلا من مقام واحد ، ويقوم أحدهم ينشد ، ويردّ عليه الباقي . أمّا الأعيان منهم فإنّهم يتعلّمون الألحان الطليانية . وأكثر العميان بمالطة صنعتهم العزف بالآلات فمتى قدم أحد من سفر ، أو ولد له ولد ، أو تزوج ، أو عمّد ولده أو ترقّى إلى رتبة ، أو كسب مكسبا جزيلا بادروا إلى تهنئته ، ولا يخفى عنهم شيء ممّا حدث في بلدهم . ويقال : إن إحدى بنات الأعيان فجرت مرّة وكتمت حبلها عن