أحمد فارس الشدياق

96

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

أهلها ثم غابت أيّاما حتى وضعت ولدها ، فلمّا رجعت إلى بيتها أقبلت زمرة منهم يعزفون أمام الدار ، فسألهم أبوها ما سبب ذلك فأخبروه بوضع ابنته ففطن حينئذ لغيابها . غناء المغاربة وأصل الحداء والذي يظهر لي أن الأنغام التي كان يتغنّى بها في أيّام الخلفاء كانت أشبه بغناء المغاربة الآن منها بغناء المشارقة ، واللازمة التي تستعملها المغاربة في غنائهم هي ( دي دي ) كقول أهل مصر والشام ( يا ليل ) وكقول الترك أمان ، وفي القاموس : ما كان للناس حداء ، وضرب أعرابي غلامه وعضّ أصابعه فمشى وهو يقول دي دي أراد يا يدي ، فسارت الإبل على صوته ، فقال له : الزمه ، وخلع عليه فهذا أصل الحداء . وأسماء الأنغام عند المغاربة مخالفة لأسمائها عندنا ، وهم يزعمون أنهم نقلوا هذا الفن عن أهل الأندلس ، وأهل تونس أكثر ترسّلا منهم ، والظاهر أن الموالي من خصوصيات أهل مصر والشام وكذلك الناي والقانون . والغالب في من غنّى صوتا وأجاد أن يظن أن لم يبق ذو أذن واعية إلا وسمعه ، وإذا لم يجد الفتى لنفسه عذرا وذلك بأن يتنحنح أو يسعل فيحيل القصور على شيء طرأ عليه ، هذا إذا كان المغني غير متّخذ الغناء له صنعة ، فأمّا من درب فيه فقلّ أن يعرض له خروج لأن الصوت كالآلة كلّما زاد استعمالا زاد جلاء . عودة إلى غناء الإفرنج وكما أن غناء أهل مصر أطرب وأعلى من غناء جميع العرب كذلك كان غناء الطليانيين أعلى من غناء سائر الإفرنج ، وذلك لكثرة ما في لغتهم من الحركات ، فهي مثل لغتنا صالحة للغناء والعروض ، ولكون أصواتهم صادرة عن صدورهم . أمّا لغة الإنكليز فلكثرة السواكن فيها لا تطاوع على الغناء الذي فيه مد وترجيع إلا بتحويل الألفاظ عن وجهها ، وخرم قواعد النطق بها ، وإنّما يحسن بها الأغاني المضحكة ،