أحمد فارس الشدياق
85
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
سعر الشيء الواحد متفاوتا على قدر تفاوت الساعات ، وأن تطوف السكارى في الأسواق ضاجّين زائطين بالغناء واللغط ، ثم يقال : إن ذلك حريّة ؟ لعمري إن المحتسب في بلادنا خير من هذه الحريّة لأن الحريّة إنّما تكون حميدة مفيدة ما إذا روعي فيها مصلحة عمومية على أخرى خصوصية لا بالعكس ، فتبّا لحرية تفضي إلى تسويد اللئيم على الكريم . وهذا الفساد الحاصل في البيع والشراء في مالطة هو بعينه في لندرة كما سنذكره في محلّه ، وسببه أنّه لّما كان ذووا الأحكام هنا وهناك لا يأكلون سوى أطيب المأكول ولا يشربون سوى أفخر المشروب غفلوا عن مصلحة الجمهور وظنّوا أنّ سمنهم موجب لصحة جميع عباد الله . ومن فساد الأحكام هنا أيضا أنّه إذا كان لأحد حقّ على آخر وأراد سجنه لزمه أن يقوم بمؤنته ، وإن يكن المديون لصّا أو متعدّيا ، وكان المحق عادلا فاضلا . ولا يخفى أن في ذلك حظرا للثقة والائتمان لأنّ حبس الغريم لا ينفع الدائن شيئا ، وأن السجن لكثير من الأشقياء المناحيس خير لهم من خصاصهم « 94 » . ولّما كان هؤلاء السفلة مفرطين في القبائح والشرور على ما ذكرنا كان من أهم الأشياء على الحرّ أن يتجنّبهم ما أمكن ، وليس عليه أن يحترز من الأعيان وذوي الأمر والنهي فإنهم لا يتطاولون على أحد لما يعلمون من قضية التسوية ، بخلاف العادة في البلاد الشرقية ، فإن أصحاب المناصب هم الذين يخشى بأسهم وشرّهم . ومن فساد الأحكام أيضا أن القضاة تقبل شهادة أي شاهد كان سواء كان سكيرا أو شريرا ، وكذا شهادة النساء والأولاد مقبولة فمتى قبّل الشاهد الصليب مضت شهادته ، والإنكليز يحلفون على الإنجيل ، ومتى أقيمت دعوى حشد الناس لاستماعها وإن تكن من الأمور التي كتمها أولى من إذاعتها ، وهنا أيضا أنكر التسوية لأنه إذا حدث مثلا أمر مرّة بين والد وولده ، أو رجل وامرأته وكانوا من ذوي الفضل وأفضى ذلك إلى التحاكم لا ينبغي أن يجعل بمنزلة دعوى رجل على آخر بأنه سرقه أو شتمه . ثم إن من الأصول المقرّرة عند الإنكليز أن كل من يدخل أرضا تحت حكومتهم يصير حرّا وتجري عليه أحكامهم ، وقد جاء مالطة كثير ممّن كان لهم عبيد
--> ( 94 ) خصاص : جمع خصّ بضم الخاء : بيت من شجر أو قصب . ( م ) .