أحمد فارس الشدياق

77

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

مع أن لدولة الإنكليز في هذه الجزيرة عدّة سفائن حربية نفقة كلّ منها في اليوم نحو مائتي ليرة ، وترى عساكرها لا يبرحون يخرجون من حانة ويدخلون أخرى حتى ينفقوا آخر فلس معهم ، حتى صار معلوما عند الجميع أن الأسار إنّما تغلوا بوجود هذه السفن ، ثم إذا سافرت أخذ الذين ألفوا البيع لها في الدمدمة والتسخط من كساد ما عندهم ، فإن الأهلين كلّهم لا ينفقون ما تنفق سفينة واحدة منها . هذا وإن الإنكليز قد أنشؤوا فيها جملة مصالح ومعالم لم تكن للمالطيين في حسبان ، فقد كان بعض أصحابي بالإسكندرية كلّفني بأن أسأل ناظر الديوان عن تركة والده ، وقد توفي بمالطة ، وهل كان تحت حماية الإنكليز أو لا ، فلمّا سألته أجابني بعد البحث بأن ديوان مالطة قبل قدوم الإنكليز لم يكن له دفاتر مصحّحة يرجع إليها ، وإنما كانت عبارة عن أوراق يوميّة غير منظومة ، على أن المالطيين أنفسهم يقرّون بأن حكّامهم في القديم كانوا ينالون من عرضهم لأنهم كانوا قد حرّموا الزواج على أنفسهم ، حتى إنّه تجمّع في دار معدّة للنغول نحو ألف ولد يزنّ « 81 » في كونهم أولادهم ، فكانوا يقولون فيهم : إنّهم عل قسيسين يورّون بذلك أن الحكّام المتشبّهين بالقسيسين يكفلونهم لكونهم آباءهم ، أو أن الأولاد يصيرون قسيسين ، ولكن دأب أهل الجهالة أن يستطيبوا الماضي على الحاضر ، ويطمعوا في أن الآتي يكون خيرا منهما . ومن ذلك كراهيتهم للغرباء ولا سيّما العرب ، ولن يقدر أحد أن يستخلص منهم عشيرا ، وما يكون له بين ظهرانيهم صديق إلا إذا كان يربّي جرو كلب . ولعمري لو أن مالطيا افترى على غريب وخاصمه لتألّبوا على الغريب من كل أوب ، من دون أن يعلموا السبب ، وهم مائلون بالطبع إلى البطش والفتك ، وإن كثيرا منهم لا يمشون إلا ومعهم سكاكين يخفونها في ثيابهم ، ومدخل العتاب بينهم مسدود ، فأوّل سبّهم قولهم يحرق دين القديس تيعك . ومن جهلهم أنّهم لا يفهمون ما المراد بالدّين هنا فإنّ مرادفه عندهم في غير السبّ منقول من الطلياني ، والظاهر أن المسلمين حين ولايتهم عليهم كانوا يتلقّونهم بهذه التحية ؛ فتداولوها هم من بعدهم . ومنهم قوم يتنصّتون إلى ما يجري بين المرء وصاحبه أو زوجته من الحديث ، فإذا صحّ

--> ( 81 ) زنّ فلانا بخير أو شر : اتهمه به . والنغول : أولاد الزنى . ( م ) .