أحمد فارس الشدياق

76

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

البحر ، فإن حصر الفطن يكون من حصر العطن « 78 » . ومن طبعهم التكشّف وبث ما هم فيه من الأحوال والاستقصاء عن حال المخاطب ، فإذا صحبت منهم أحدا لا يلبث أن يطلعك على كميّة دخله وخرجه ، وكيفيّة عمله ، ويقول : ليت لي مال فأتنعّم به ، ولو كنت من المثرين لأكلت أطايب المأكول ولبست أفخر الملبوس فيا سعد من عاش عيش المترفّهين ، فأخبرني أنت : ما دخلك ؟ وكيف عيشك ؟ ومن أين تشتري ثيابك وحاجتك ؟ ومن يزورك ؟ وهلم جرّا . فأمّا حبّهم لكسب المال فهو بحيث لم يغادر لشيء سواه قيمة . ومنهم من يسافر إلى البلاد الشاسعة ويعرّض نفسه للامتهان والابتذال ، حتى إذا أحرز المال رجع إلى وطنه متبذّخا متشبّعا ، يمرح في الأسواق مرح من ازدهته النعمة وأبطره الحظ . ولا شيء يعجبهم في الدنيا مثل بلادهم ، ولا تزال تسمعهم يتبجّحون بها وبأحوالها ، وإذا سألت أحدا منهم عنها أجابك بلسان ذلق عمّا كانت عليه من الغبطة والسعادة ، وآلت إليه من سوء الحظ . وهم في محبّتها كاليهود في محبّة صهيون ، ومن الغريب مع هذا التفاخر أنك إذا ذكرت لأحدهم أفراد قومه لم تلق راضيا عن أحد منهم ؛ فأول نعت ينعته به قوله : هو أبله ، أو هو شحيح ، فكأن قوله : « نحن المالطيين شأننا كذا » يريد به وحدة نفسه . أمّا مفاخرتهم بالألقاب فأكسى لهم من اللباس ، قلّ أن ترى أحدا منهم ممّن يقرأ ويكتب إلا وله لقب طبيب ، أو فقيه ، أو بارون ، أو مركيز ، أو دكطر « 79 » على أنّهم لا يملكون به مسكة « 80 » من العيش . ومن طبعهم التعقّب للزّلات والتعنّت والاغتياب ، فيتعقّبون الناس في مشيتهم ولبستهم ولهجتهم وسحنتهم ، فلا يكاد يعجبهم شيء . وما من خصلة حميدة إلا ويجعلونها قبيحة ، فإذا كان الإنسان كريما قالوا : إنّه مبذّر ، وإن كان مقتصدا قالوا : إنّه شحيح . ولا يبرحون مبربرين على الإنكليز ومتظلّمين منهم ، ويدّعون بأنّهم من بعد قدومهم إلى جزيرتهم ضاقت عليهم مذاهب المعيشة ، وغلت الأسعار حتى اضطروا إلى أن يهاجروا من بلادهم التي يصفونها بأنّها حنينة ،

--> ( 78 ) العطن : مبرك الإبل ، والمقصود هو ان ضيق عقولهم ناتج عن ضيق مونهم . ( م ) . ( 79 ) دكطر : تعني العالم في أي علم . ( م ) . ( 80 ) مسكة من العيش : ما يمسك البدن من الطعام والشراب . ( م ) .